ومن هؤلاء عبد الله بن سلام ، وكان من علماء اليهود ، وكان يعلم أوصاف رسول الله وزمن بَعْثته ؛ لذلك قال: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني ، ومعرفتي لمحمد أشدّ.
ولما اختمر الإسلام في نفسه ذهب إلى رسول الله وصارحه بما نوى من اعتناق الإسلام ، وقال:"يا رسول الله إن اليهود قوم بُهْتٌ فإن أعلنتُ إسلامي الآن قالوا فيَّ ما ليس فيَّ ، فاسألهم عني وأنا ما زلت على دينهم ، وانظر ما يقولون ، فسألهم رسول الله: ما تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: حَبْرنا وابن حَبْرنا ، ووصفوه بخير الصفات ، وأطيب الخصال ، فقال عبد الله: يا رسول الله ، أما وقد قالوا فيَّ ما قالوا فأشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله ، فإذا بهم يذمونه ويتهمونه بأخسِّ الخصال ، فقال: يا رسول الله ألم أَقُلْ لك إنهم قوم بُهْتٌ".
إذن: ففي إيمان عبد الله بن سلام وغيره من اليهود والنصارى الذين عرفوا رسول الله بأوصافه في كتبهم وعرفوا موعد بعثته وأنه حق ، في إيمان هؤلاء عَزَاءٌ لرسول الله حين كفر به قومه وكذّبوه لذلك قال تعالى: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ} [الرعد: 43]
ونحن مُكْتفون بشهادة هؤلاء ؛ لأنهم قوم صادقون مع أنفسهم ، صادقون مع أنبيائهم ومع كتبهم التي تلقوْهَا ، فحينما بشَّرت بمحمد ووصفته لم ينكروا هذه الصفات ولم يُحرِّفوها ، بل كانوا يسارعون إلى المدينة انتظاراً لمبعث النبي الجديد الذي سيظهر فيها ، لقد كانوا يقولون لكفار مكة: لقد أظلَّ زمان نبي جديد نتبعه قبلكم ، ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم.
{فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] إلا أن الله أبقى للحق خلية ، وجعل له خميرة استجابت لرسول الله ، وتفاعلت مع الدين الجديد.