فهرس الكتاب
وقال ابن الزبير في برهانه: من الثابت المشهور أن قريشاً بعثوا إلى اليهود بالمدينة يسألونهم في أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأجابت يهود بسؤاله عن ثلاثة أشياء ، قالوا: فإن أجابهم فهو نبي ، وإن عجز فالرجل متقول فرؤا فيه رأيكم ، وهي الروح ، وفتية ذهبوا في الدهر الأول وهم أهل الكهف ، وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، فأنزل الله عليه جواب ما سألوه ، وبعضه في سورة الإسراء {ويسئلونك عن الروح} [الإسراء: 85] الآية ، واستفتح سبحانه وتعالى سورة الكهف بحمده ، وذكر نعمة الكتاب وما أنزل بقريش وكفار العرب من البأس يوم بدر وعام الفتح ، وبشارة المؤمنين بذلك وما منحهم الله تعالى من النعيم الدائم ، وإنذار القائلين بالولد من النصارى وعظيم مرتكبهم وشناعة قولهم {إن يقولون إلا كذباً} وتسلية نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر جميعهم {فلعلك باخع نفسك} [الكهف: 6] ، والتحمت الآي أعظم التحام ، وأحسن التئام ، إلى ذكر ما سأل عنه الكفار من أمر الفتية {أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً} [الكهف: 9] ثم بسطت الآي قصتهم ، وأوضحت أمرهم ، واستوفت خبرهم ؛ ثم ذكر سبحانه أمر ذي القرنين وطوافه وانتهاء أمره ، فقال تعالى {ويسئلونك عن ذي القرنين} [الكهف: 83] الآيات ، وقد فصلت بين القصتين بمواعظ وآيات مستجدة على أتم ارتباط ، وأجل اتساق ، ومن جملتها قصة الرجلين وجنتي أحدهما وحسن الجنتين وما بينهما وكفر صاحبهما واغتراره ، وهما من بني إسرائيل ، ولهما قصة ، وقد أفصحت هذه الآي منها باغترار أحدهما بما لديه وركونه إلى توهم البقاء ، وتعويل صاحبه على ما عند ربه ورجوعه إليه وانتهاء أمره - بعد المحاورة الواقعة في الآيات بينهما - إلى إزالة ما تخيل المفتون بقاءه ، ورجع ذلك كأن لم يكن ، ولم يبق بيده إلا الندم ، ولا صح له من جنته بعد عظيم تلك البهجة سوى التلاشي والعدم ،