وقوله {على آثارهم} - قال القرطبي: آثارهم جمع أثر. ويقال إثر. والمعنى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك.
وقال أبو حيان في البحر: ومعنى"على آثارهم"من بعدهم ، أب بعد يأسك من إيمانهم. أو بعد موتهم على الكفر. يقال: مات فلان على أثر فلان. أي بعده.
وقال الزمخشري: شبهه وإباهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به ، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجداً عليهم ، وتلهفاً على فراقهم! والأسف هنا: شدة الحزن. وقد يطلق الأسف على الغضب! كقوله: {فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55] .
فإذا حققت معنى هذه الآية الكريمة - فاعلم أن ما ذكره فيه جل وعلا من شدة حزن نبيه صلى الله عليه وسلم عليهم ، وعن نهيه له عن ذلك مبين في آيات أخر كثيرة ، كقوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] ، وكقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] ، وكقوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] ، وكقوله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين} [المائدة: 68] ، وكقوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ} [الأنعام: 33] ، وكقوله {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: 97] كما قدمناه موضحاً.
وقوله في هذه الآية الكريمة {أسفاً} مفعول من أجله ، أي مهلك نفسك من أجل الأسفز ويجوز إعرابه حالاً. أي في حال كونك آسفاً عليهم. على حد قوله في الخلاصة:
ومصدر منكر حالاً يقع... بكثرة كبغتة زيد طلع
{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) }