وَسَلَّمَ مُكْثَ الْوَحْيِ عَنْهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ. ثُمَّ جَاءَهُ جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إِيَّاهُ عَلَى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ وَخَبَرُ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الْفِتْيَةِ وَالرَّجُلُ الطَّوَافُ، وَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَتَحَ السُّورَةَ فَقَالَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ}
يَعْنِي مُحَمَّدًا أَنَّكَ رَسُولِي فِي تَحْقِيقِ مَا سَأَلُوا عَنْهُ مِنْ نُبُوَّتِهِ {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا} أَيْ مُعْتَدِلًا، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْقُرْآنَ مُعْتَدِلًا مُسْتَقِيمًا لَا عِوَجَ فِيهِ لِيُنْذِرَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بَأْسًا مِنَ اللَّهِ شَدِيدًا. وَعَنَى بِالْبَأْسِ الْعَذَابَ الْعَاجِلَ، وَالنَّكَالَ الْحَاضِرَ وَالسَّطْوَةَ
وَقَوْلُهُ: {مِنْ لَدُنْهُ}
يَعْنِي: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيْنَ مَفْعُولُ قَوْلِهِ {لِيُنْذِرَ} فَإِنَّ مَفْعُولَهُ مَحْذُوفٌ اكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ، وَهُوَ مُضْمَرٌ مُتَّصِلٌ بِـ (يُنْذِرَ) قَبْلَ الْبَأْسِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: لِيُنْذِرَكُمْ بَأْسًا، كَمَا قِيلَ: {يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} إِنَّمَا هُوَ: يُخَوِّفُكُمْ أَوْلِيَاءَهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ}
يَقُولُ: وَيُبَشِّرَ الْمُصَدِّقِينَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ {الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِالْعَمَلِ بِهِ، وَالِانْتِهَاءُ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ {أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا}
يَقُولُ: ثَوَابًا جَزِيلًا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمَلِهِمْ فِي الدُّنْيَا الصَّالِحَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَذَلِكَ الثَّوَابُ: هُوَ الْجَنَّةُ الَّتِي وَعَدَهَا الْمُتَّقُونَ