وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: يُسَلَّمُ لِصَاحِبِهِ إِذَا كَانَ قَصْدُهُ اسْتِدْعَاءَ الْحَقِيقَةِ، لَا التَّشَبُّهَ بِأَهْلِهَا. وَاحْتَجُّوا «بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَدْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ يَبْكِيَانِ فِي شَأْنِ أُسَارَى بَدْرٍ، وَمَا قَبِلُوا مِنْهُمْ مِنَ الْفِدَاءَ: أَخْبِرَانِي مَا يُبْكِيكُمَا؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بِكَيْتُ، وَإِلَّا تَبَاكَيْتُ» . وَرَوَوْا أَثَرًا «ابْكُوا؛ فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا» .
قَالُوا: وَالتَّكَلُّفُ وَالتَّعَمُّلُ فِي أَوَائِلِ السَّيْرِ وَالسُّلُوكِ لَا بُدَّ مِنْهُ. إِذْ لَا يُطَالَبُ صَاحِبُهُ بِمَا يُطَالَبُ بِهِ صَاحِبُ الْحَالِ. وَمَنْ تَأَمَّلَهُ بِنِيَّةِ حُصُولِ الْحَقِيقَةِ لِمَنْ رَصَدَ الْوَجْدَ لَا يُذَمُّ. وَالتَّوَاجُدُ يَكُونُ بِمَا يَتَكَلَّفُهُ الْعَبْدُ مِنْ حَرَكَاتٍ ظَاهِرَةٍ"وَالْمَوَاجِيدُ"لِمَنْ يَتَأَوَّلُهُ مِنْ أَحْكَامٍ بَاطِنَةٍ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَوَاجِيدُ، وَهِيَ نَتَائِجُ الْأَوْرَادِ وَثَمَرَتُهَا.
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الْوَجْدُ وَهُوَ ثَمَرَةُ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، مِنَ الْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِيهِ، كَمَا جَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَرَةَ كَوْنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ مِمَّا سِوَاهُمَا. وَثَمَرَةَ الْحُبِّ فِيهِ، وَكَرَاهَةَ عَوْدِهِ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ. فَهَذَا الْوَجْدُ ثَمَرَةُ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ، الَّتِي هِيَ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ.
الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: الْوُجُودُ وَهِيَ أَعْلَى ذُرْوَةِ مَقَامِ الْإِحْسَانِ. فَمِنْ مَقَامِ الْإِحْسَانِ يَرْقَى إِلَيْهِ. فَإِنَّهُ إِذَا غَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ مُشَاهَدَةُ مَعْبُودِهِ، حَتَّى كَأَنَّهُ يَرَاهُ - وَتَمَكَّنَ فِي ذَلِكَ - صَارَ لَهُ مَلَكَةً أَخْمَدَتْ أَحْكَامَ نَفْسِهِ، وَتَبَدَّلَ بِهَا أَحْكَامًا أُخَرَ، وَطَبِيعَةً ثَانِيَةً، حَتَّى كَأَنَّهُ أُنْشِئَ نَشْأَةً أُخْرَى غَيْرَ نَشْأَتِهِ الْأُولَى، وَوُلِدَ وِلَادًا جَدِيدًا.