فهرس الكتاب
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَوَاءٌ الْمَقْتُولُ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَقْتُولُ أَفْضَلُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُعَلِّمُهُمُ اسْتِوَاءَ أَمْرِ الْمَيِّتِ فِي سَبِيلِهِ , وَالْمَقْتُولِ فِيهَا فِي الثَّوَابِ عِنْدَهُ.
عَنْ سَلَامَانَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ فَضَالَةُ بِرُودِسَ أَمِيرًا عَلَى الْأَرْبَاعِ، فَخَرَجَ بِجِنَازَتَيْ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا قَتِيلٌ , وَالْآخَرُ مُتَوَفًّى؛ فَرَأَى ميلَ النَّاسِ مَعَ جَنَازَةِ الْقَتِيلِ إِلَى حُفْرَتِهِ، فَقَالَ:"أَرَاكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَمِيلُونَ مَعَ الْقَتِيلِ , وَتُفَضِّلُونَهُ عَلَى أَخِيهِ الْمُتَوَفَّى؟ فَقَالُوا: هَذَا الْقَتِيلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفْرَتَيْهِمَا بُعِثْتُ اقْرَءُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا} . إِلَى قَوْلِهِ: {وَإِنَّ اللَّهَ لعليمٌ حَلِيمٌ} "
يَقُولُ: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ مَنْ بَسَطَ فَضْلَهُ عَلَى أَهْلِ طَاعَتِهِ وَأَكْرَمَهُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَيُدْخِلَنَّ اللَّهُ الْمَقْتُولَ فِي سَبِيلِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْمَيِّتَ مِنْهُمْ {مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ} وَذَلِكَ الْمُدْخَلُ هُوَ الْجَنَّةُ.
{وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ} بِمَنْ يُهَاجِرُ فِي سَبِيلِهِ مِمَّنْ يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ طَلَبَ الْغَنِيمَةِ أَوْ عَرَضٍ مِنْ عُرُوضِ الدُّنْيَا.
{حَلِيمٌ} عَنْ عُصَاةِ خَلْقِهِ، بِتَرْكِهِ مُعَاجَلَتَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ وَالْعَذَابِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 16/}