وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمثل: قلنا هَبْ أن واحداً يرميك بحجر ، وآخر يرمي لك تفاحة ، فأيُّهما يشغلك أولاً؟ لا شكَّ ستُشغل بالحجر ، كيف تقي نفسك من ضرره ثم تحاول أن تنال هذه التفاحة؟
لذلك قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى . .} [النحل: 61] .
ثم يقول سبحانه: {وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . .}
الحق - تبارك وتعالى - يُذكّرنا ببعض نعمه وببعض العمليات التي لو تتبعناها لوقفنا بمقتضاها على نِعَم الله علينا ، ولم نَنْسها أبداً .
أولها: {وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ . .} [الحج: 66] والإحياء: أن يعطي المحيي ما يُحييه قوة يؤدي بها المهمة المخلوق لها . والإحياء الأول في آدم - عليه السلام - حين خلقه ربه وسوّاه ونفخ فيه من روحه ، ثم أوجدنا نحن من ذريته .
{ثُمَّ يُمِيتُكُمْ . .} [الحج: 66] وكما أن الخَلْق آية من آيات الله ، فكذلك الموت آية من آيات الله ، نراها ونلمسها ، وما دُمْتَ تُصدِّق بآية الخَلْق وآية الموت ، وتراهما ، ولا تشك فيهما ، فحين نقول لك إن بعد هذا حياة أخرى فصدِّق ؛ لأن صاحب هذه الآيات واحد ، والمقدمات التي تحكم أنت بصدقها يجب أنْ تؤدي إلى نتيجة تحكم أيضاً بصدقها ، وها هي المقدمات بين يديك صادقة .
لذلك يقول تعالى بعدها: {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . .} [الحج: 66] والإحياء يُطلَق في القرآن على معانٍ متعددة ، منها الحياة المادية التي تتمثل في الحركة والأكل والشرب ، ومنها الحياة في الآخرة التي قال الله عنها: {وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ . .} [العنكبوت: 64] .