فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده وهو لا شيء معه ؛ ألا ترى أن بَرِيرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها ، وذلك كان في أوّل كتابتها قبل أن تؤدّي منها شيئاً ؛ كذلك ذكره ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً ؛ أخرجه البخاري وأبو داود.
وفي هذا دليل على جواز كتابة الأَمَة ، وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال ، ولم يسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم هل لها كسب أو عمل واصب أو مال ، ولو كان هذا واجباً لسأل عنه ليقع حكمه عليه ؛ لأنه بُعث مبيِّناً معلِّما صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا الحديث ما يدل على أن من تأوّل في قوله تعالى: {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أن المال الخير ، ليس بالتأويل الجيد ، وأن الخير المذكور هو القوّة على الاكتساب مع الأمانة.
والله أعلم.
السادسة: الكتابة تكون بقليل المال وكثيره ، وتكون على أنْجُم ؛ لحديث بَرِيرة.
وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء والحمد لله.
فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلاً نُجّمت عليه بقدر سِعايته وإن كره السيّد.
قال الشافعيّ: لا بُدّ فيها من أجل ؛ وأقلها ثلاثة أنجم.
واختلفوا إذا وقعت على نجم واحد فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد.
وقال الشافعيّ: لا تجوز على نجم واحد ، ولا تجوز حالّةً ألْبَتَّةَ ، وإنما ذلك عتْق على صفة ؛ كأنه قال: إذا أدّيتَ كذا وكذا فأنت حر وليست كتابة.
قال ابن العربيّ: اختلف العلماء والسّلف في الكتابة إذا كانت حالّة على قولين ، واختلف قول علمائنا كاختلافهم.