فهرس الكتاب
(فصل: في رد شبه بعض الملحدين)
قال الطوفي:
قال: وفي سورة النور: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) وفي سورة الفرقان: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) وفي سورة الروم: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ) وفي سورة فاطرِ: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) وفي سورة الأنبياء: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) وهذا بيِّن التناقض، والكذب لازم في إحدى القضيتين، وخلاف هذا في التوراة، حيث يقول: إن الدواب خلقت من التراب والإنسان من الماء، وخلاف ذلك أيضا في الوجود، إذ بعض الأشياء مخلوقة من الأرض وبعضها من الماء؟
قلت: الجواب: أنه لا تناقض في هذا ولا كذب - بحمد الله - عند من عرف وتبين ذلك ببيان معنى كل"آية"على انفرادها، ثم بيان الجمع بين الجميع.
أما قوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِّن مَّاء) فنقول: الدابة في وضع اللغة كل ما دب ودرج.
وفي عرف الاستعمال اللغوي: مختص بدواب الأربع كالفرس ونحوه، فإن حمل لفظ الدابة على هذا المعنى العرفي فلا إشكال في أنها من ماء، وهو الماء الذي ينزله الذكر في الأنثى وتنزله هي عند الوقاع.
وإن حمل على الوضع اللغوي فالجواب من وجوه:
أحدها: أن"مِن"في قوله (من ماء) للسببية بمعنى أن للماء مدخلاً وتأثيراً بحقيقتة أو بما هو من طبيعته في وجود كل دابة. وهذا صحيح. فإن كل دابة هي حيوان، وكل حيوان لا بد فيه من رطوبة مائية بها تتقوم حياته، فيدخل في ذلك العقارب والخنافس، ونحوها من الحشرات التي يقال إنها تتولد من التراب، لأنها وإن كانت متولدة من التراب إلا أنها لا تستغني عن رطوبة، هي من طبيعة الماء تقوم حياتها.
الوجه الثاني: أن نقول في الدابة وضعا ما قلناه في الدابة عرفا، وهو أن سائر أشخاصها مخلوقة من"ماء"الوقاع، لأن فيها ذكورا وإناثا قطعا، ولا فائدة للصنفين المذكورين إلا التناسل المعتاد بين سائر أصناف الحيوان، وما يقال: من أن بعض الدواب تخلق من التراب، فلا شك أنه قد قيل، ولكنا لم نشاهده فلا يقلد فيه. ولا عليه دليل قاطع من جهة العقل، فإن شاهدناه
أجبنا حينئذ بحسب ما ينبغي.
والذي رأيته في هذا: ما ذكر في تواريخ الأولين: أن الملك"سنحاريب"رأى في منامه أن عقربا صعدت على سريره فلدغته، فوقع عنه.