(اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...(35)
المنَاسَبَة: لما وصف تعالى نفسه بأنه أنزل آياتٍ مبينات، وأقام دلائل واضحات على وحدانيته، واختصاصه بتشريع الأحكام التي بها سعادة المجتمع، عقَّبه بذكر مثلين: أحدهما في بيان أنَّ دلائل والحدانية والإيمان في غاية الظهور والثاني: في بيان أن أديان الفرة في نهاية الظلمة
والخفاء، وبالمقارنة بين المثلين يتضح الصبح لذي عينين.
اللغَة: {مِشْكَاةٍ} المشكاة: الكُوَّة في الحائط غير النافذة، وأصلها لاوعاء يجعل فيه الشيء {دُرِّيٌّ} متلألئ وقّد يشبه الدر في صفائه ولمعانه {سَرَابٍ} السرابُ: ما يتراءى للعين وسط النهار عند اشتداد الحر يشبه الماء الجاري وليس بماء، سمي سراباً لأنه يسرب أي يجري كالماء قال الشاعر:
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب بالفلا متألق
{قِيعَةٍ} قال الفراء: هو جمع قاع مثل جار وجيرة، والقاعُ المنبسط المستوي من الأرض وقال الزمخشري: القيعةُ بمعنى القاع وليس جمعاً، وهكذا قال أبو عبيدة {لُّجِّيٍّ} اللُّجيُّ: الذي لا يدرك قعره لعمقه، واللُّجةُ معظم الماء، والجمع لُجَج، والتجَّ البحر: تلاطمت أمواجه {يُزْجِي} الإزجاء: سوقُ الشيء برفقٍ وسهولة {رُكَاماً} مجتمعاً يركب بعضه بعضاً {الودق} : المطر قال الليث: الودقُ المطر كله شديده وهينه {سَنَا} : السنا الضوء واللمعان قال الشماخ:
وما كادت إذا رفعت سناها ... ليبصر ضوءها إلاّ البصير
{مُذْعِنِينَ} خاضعين منقادين، أذعن للأمر خضع له {يَحِيفَ} يجور ويظلم.
التفسِير: {الله نُورُ السماوات والأرض} أي الله جلَّ وعلا منور السماوات والأرض، أنار السماواتِ بالكواكب المضيئة، والأرض بالشرائع والأحكام وبعثة الرسل الكرام قال الطبري: أي هادي أهل السماوات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون وقال القرطبي: النور عند العرب: الضوء المدرك بالبصر واستعمل مجازاً في المعاني فيقال كلامٌ له نور قال الشاعر:
نسبٌ كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عمودا