وابن جرير عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه فأتى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأقبل علي بالدرة وتلا قوله تعالى: {فكاتبوهم} الخ وفي رواية كاتبه أو لأضربنك بالدرة ظاهر في القول بالوجوب ، وجمهور الأئمة كمالك.
والشافعي ، وغيرهما على أن المكاتبة بعد الطلب وتحقق الشرط الآتي إن شاء الله تعالى مندوبة بيد أن من قال منهم بأن ظاهر الأمر للوجوب كالشافعي لم يقل بظاهره هنا لأنه بعد الحظر وهو بيع ماله بماله للإباحة ، وادعى أن ندبها من دليل آخر ، وظاهر الآية جواز الكتابة سواء كان البدل حالاً أو مؤجلاً أو منجماً أو غير منجم لمكان الإطلاق وإلى ذلك ذهب الحنفية.
وذهب جمهور الشافعية إلى إنه يشترط أن يكون منجماً بنجمين فأكثر فلا تجوز بدون أجل وتنجيم مطلقاً ، وقيل إن ملك السيد بعض العبد وباقيه حر لم يشترط أجل وتنجيم ، ورده محققوهم وأجابوا عن دعوى إطلاق الآية بأن الكتابة تشعر بالتنجيم فتغني عن التقييد لأنه يكتب أنه يعتق إذا أدى ما عليه ومثله لا يكون في الحال.
واعترضوا أيضاً على القول بصحة الكتابة الحالة بأن الكتابة لو عقدت حالة توجهت المطالبة عليه في الحال وليس له مال يؤديه فيه فيعجز عن الأداء فيرد إلى الرق فلا يحصل مقصود العقد ، وهذا كما لو أسلم فيما لا يوجد عند حلول الأجل فإنه لا يجوز.
وأنت تعلم ما في دعوى إشعار الكتابة بالتنجيم وأنها تضر الشافعية لأن التنجيم الذي تشعر به الكتابة على زعمهم يتحقق بنجم واحد فيقتضي أن تجوز به كما ذهب إليه أكثر العلماء وهم لا يجوزون ذلك ويشترطون نجمين فأكثر.
وما ذكروه في الاعتراض ليس بشيء فإنه لا عجز مع أمر المسلمين بإعانته بالصدقة والهبة والقرض ، والقياس على السلم لا يصح لظهور الفارق ، ولعل ما ذكر كالبيع لمن لا يملك الثمن ولا شك في صحته كذا قيل وفيه بحث.