فهرس الكتاب
ثم لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء ، أرشد المالكين إلى طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار فقال: {والذين يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم} الموصول في محل رفع على الابتداء ، ويجوز أن يكون في محل نصب على إضمار فعل يفسره ما بعده أي: وكاتبوا الذين يبتغون الكتاب ، والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة ، يقال: كاتب يكاتب كتاباً ومكاتبة ، كما يقال: قاتل يقاتل قتالاً ومقاتلة.
وقيل: الكتاب ها هنا اسم عين للكتاب الذي يكتب فيه الشيء ، وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه ، وعلى أنفسهم بذلك كتاباً ، فيكون المعنى: الذين يطلبون كتاب المكاتبة.
ومعنى المكاتبة في الشرع: أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجماً ، فإذا أدّاه فهو حرّ ، وظاهر قوله: {فكاتبوهم} أن العبد إذا طلب الكتابة من سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده ، وهو {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} ، والخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه ، وإن لم يكن له مال ، وقيل: هو المال فقط ، كما ذهب إليه مجاهد والحسن وعطاء والضحاك وطاوس ومقاتل.
وذهب إلى الأوّل ابن عمر وابن زيد ، واختاره مالك والشافعي والفراء والزجاج.
قال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء وتأدية للمال.
وقال الزجاج: لما قال {فيهم} كان الأظهر الاكتساب ، والوفاء ، وأداء الأمانة ، وقال النخعي: إن الخير الدين والأمانة.
وروي مثل هذا عن الحسن.
وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة.
قال الطحاوي: وقول من قال: إنه المال لا يصح عندنا ، لأن العبد مال لمولاه ، فكيف يكون له مال؟ قال: والمعنى عندنا: إن علمتم فيهم الدين والصدق.
قال أبو عمر بن عبد البرّ: من لم يقل: إن الخير هنا المال ، أنكر أن يقال: إن علمتم فيهم مالاً ، وإنما يقال: علمت فيه الخير ، والصلاح ، والأمانة ، ولا يقال: علمت فيه المال.