ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان وكان الإيمان بالبعث جامعاً لجميع أنواعه وحاملاً على سائر وجوه الإحسان قال تعالى {وَهُمْ بِالآخِرَةِ} أي: التي تقدّم أنَّ المجرمين عنها غافلون {هُمْ يُوقِنُونَ} أي: يؤمنون بها إيمان موقن فهو لا يفعل شيئاً ينافي الإيمان، ولا يغفل عنه طرفة عين، فهو في الذورة العليا من ذلك فهو يعبد الله تعالى كأنه يراه، فآية البقرة بداية وهذه نهاية، ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال الموجبة للكمال وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها بعد أن زمها بزمامها فقال.
{أُوْلَئِكَ} أي: العالو الرتبة الحائزون من منازل القرب أعظم رتبة {عَلَى هُدًى} أي: متمكنون منه تمكن المستعلي على الشيء، وقال {مِّن رَّبِّهِمْ} تذكيراً لهم بأنه لولا إحسانه لما وصلوا إلى شيء ليلزموا تمريغ الجباه على الأعتاب خوفاً من الإعجاب {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: الظافرون بكل مراد.
قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ}
أي: ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحك وفضول الكلام.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما معنى إضافة اللهو إلى الحديث؟
أجيب: بأنَّ معناها التبيين وهي الإضافة بمعنى من وأن يضاف الشيء إلى ما هو منه كقوله: جبة خزَ وباب ساجٍ، والمعنى: من يشترى اللهو من الحديث لأن اللهو يكون من الحديث ومن غيره فبين بالحديث، والمراد بالحديث الحديث المنكر كما جاء في الحديث:
«الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش»
ويجوز أن تكون الإضافة بمعنى مِنْ التبعيضية، كأنه قيل: ومن الناس من يشتري بعض الحديث الذي هو اللهو.