لأن الله أعلم ما يكون من أمره في كسبه فلا يقدر الحيدة عنه ، كما علمه
منه موته بأرض فلا يقدر أن يموت بغيرها.
وإن قالوا: لا يقدر أن يحيد عما علمه منه ، وما علمه من شيء فهو
الذي علمه لا غير. أقروا بكل ما أنكروه ، ولزمتهم الحجة فيما جحدوه.
ولا بُد من القول بأحدهما ، والعلم لا يمكن فيه الاختيار كما يزعمونه
في الإرادة ، وَلا في الإرادة يمكن لو أنصفوا.
فإن قالوا: إنما العلم أنه سيختار غدا كسبا ، لا أنه يعمل كسبا بغير
اختيار.
قيل: أفيعلم على أيهما يقع اختياره ، أو لايعلم ،
فلا بُد من أن يقولوا: يعلم ، وإلا كفروا.
قيل لهم: أفيقدر بعد ما يقع اختياره على أحدهما أن لا يعمل ويعمل الآخر ،
فإن قالوا: بلى.
قيل: فالاختيار بعد حادث في العزم على الكسب ، لا في الكسب
نفسه والله يقول: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا) ، ولم يقل:
ماذا تعزم على كسب غد. مع أن الخلاف بيننا وبينهم في الكسب لا في
العزم.
فيقال لهم: فبد لهذا العزم من أن يكون له آخر يودي إلى كسب.
فإن قالوا: لابد من ذلك.
قيل: أفليس هذا الذي لابد منه يعلمه الله منه قبل غدِ كيف يكون ،
فلا بد من الإقرار به.
فيقال: أفليس إن لم يعمله وعمل غيره قد عمل خلاف ما علمه ربه ،
فإن قالوا: بل لابد لمن أن يعمل ما علمه ربه ولا يقدر على خلافه ،
وكل ما عمله فهو الذي علمه.
قيل: فعمل معصية وقد أقررت بأن كل ما عمله فهو الذي منه علمه ،
ولم يجد بداً من عمله. ومع ذلك فقد أمره بان لا يعملها. فليس دون هذا
التباس عند عالم ولا جاهل ، ولم يبق فيه إلا الإذعان بالجهل عن بلوغ
معرفته هذا العدل عليه المتصور في العقل بضده ، وهو الذي قلناه إنه
سر ربنا - جلا وعلا - لم يُطلِع عليه ملكَا مقربَا ولا نبيَّا مرسلَا ،
وهو الذي عوتب فيه موسى وعيسى - صلى الله عليهما - ويجيء
بالإلحاح في الاطلاع عليه عزيز ولو جاز لأحد أن يكابر بعد هذا