وهذا يفيد أن يكون الخوف سببا في المعصية، والحقيقة على خلاف ذلك: لأنا نقول: أما القانون المعتبر في «لو» والجارى على الاطراد فهو ما ذكرناه، فإذا ورد ما يخالفه، وجب تأويله على ما يوافق مجراه وله تأويلات ثلاثة، التأويل الأول أن جريها على ما ذكرناه من الأوجه الأربعة هو المطرد لكن قد يعرض من ذلك بسبب القرائن ما يوجب كون النفي باقيا على حاله من إفادته للنفي، وللقرائن تأثير عظيم في تغيير الألفاظ في العموم، والخصوص، والحقائق، والمجازات، وعلى هذا يكون المعنى في الخبر أن الله تعالى: (خصه بطهارة في باطنه وقوة في عزيمته بحيث إنه لو انتفى الخوف عن قلبه فإنه لا يلابس معصية، فكيف به وقد حصل في أرفع مكان من الخوف وأعلاه، وعلى هذا يكون النفي على حاله من غير تقرير كونه ثابتا من أجل القرينة وهذا كقوله تعالى:(وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ)
فظاهر الآية دال على ثبوت النفاد لكلمات الله تعالى؛ لأنه منفي في ضمن «لو» فلهذا لم يكن بد من بقائه على حاله لأجل القرينة كما ذكرناه في مسئلة صهيب، والله أعلم.
التأويل الثاني أن «لو» وضعها للتقدير، والتقدير هو أن يعطي الموجود معنى المعدوم أو المعدوم معنى الموجود كما في قوله تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) [سورة الأنبياء: 22] فإنه قدر وجود الآلهة ثم رتب على وجودهم الفساد، فإذا تمهدت هذه القاعدة فاعلم أنه قد يؤتى بها لقصد الإثبات للحكم على تقدير لا يناسب الحكم ليفيد ثبوت الحكم على خلاف الذي فيه مناسبة ويكون ذلك من طريق الأولى، فيعلم ثبوت الحكم مطلقا، فيجب تنزيل مسألة «صهيب» على هذا، فإنه إذا لم يخف الله لم يصدر منه عصيان، لما أعطاه الله تعالى من تزكية النفس، وطهارة القلب، فكيف به وقد استمسك بالعروة الوثقى من الخوف، فعلى هذا يكون انتفاء العصيان أولى وأحق، ومثاله قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ(23) [سورة الأنفال: 23]