2 -بدأت السورة بالحديث عن الله عزّ وجل، وأنه منزل الكتاب، وأن من أسمائه الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. ثم حدثتنا عن مجادلة الكافرين في آيات الله، وعن تكذيب الأمم السابقة، وأخذهم واستحقاقهم النار. وحدثتنا عن موقف الملائكة من أهل الإيمان، ودعاء الله لهم بالتوبة ... والجنة. ثم عن موقف الملائكة من الكافرين إذا دخلوا النار، وقد عرفنا من خلال ذلك مظاهر عزّة الله وعلمه، وغفرانه وشدة عقابه، وكثرة إنعامه ووحدانيته حتى إذا رأينا في ما مرّ مظاهر اتّصاف الله عزّ وجل بهذه الصفات كلها يعود الحديث الآن إلى الكلام عن الذات الإلهية في الآيات اللاحقة، فنرى الآية الآتية هي: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ ... فكأنها استمرار مباشر لما ورد في أول السورة: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ .. هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ. وكأن ما ورد بين ذلك قد أدى دوره المتعدد، وعاد السياق إلى سيره الرئيسي في الكلام عن الله عزّ وجل: فلنتذكّر الآن أن هذه الآيات وما بعدها كلها
مقدمة للمقطع الرئيسي في السورة، الذي يخاطب الكافرين. فكأنّ المقدّمة تعرّفنا على الله عزّ وجل، وتعرّفنا على عاقبة تكذيب رسله، ثم تتوجه بالخطاب إلى الكافرين لتقيم عليهم الحجة.
3 -نلاحظ أن المقدّمة الطويلة لسورة غافر تفصّل معاني موجودة في الآيات الست الأولى من سورة البقرة، إلا أنّ السياق شيئا فشيئا سيستقل في تفصيل قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فهو المحور الرئيسي في السورة فلنلاحظ ذلك، فكأن مقدّمة سورة غافر تبني على سورة الزمر وتكملها، وتفصّل فيما فصّلت فيه، ثم تنطلق السورة لتفصّل في ما بعد محور سورة الزمر، وهو الكلام عن الكافرين، ولنعد إلى التفسير، فقد رأينا أن المجموعة اللاحقة تكمّل موضوع التعريف على الله عزّ وجل الذي بدأته الآيتان الأوليان في السورة.