قوله:"كَبُرَ مَقْتاً"يُحْتمل أَنْ يُرادَ به التعجبُ والاستعظامُ ، وأَنْ يُرادَ به الذمُّ كبِئْس ؛ وذلك أنه يجوزُ أَنْ يُبْنَى فَعُل بضمِّ العَيْن مِمَّا يجوزُ التعجُّبُ منه ، ويَجْري مَجْرى نِعْم وبئس في جميعِ الأحكامِ . وفي فاعلِه ستةُ أوجهٍ ، الأول: أنه ضميرٌ عائدٌ على حالِ المضافِ إلى الذين ، كما تقدَّم تقريرُه . / الثاني: أنه ضميرٌ يعودُ على جدالِهم المفهوم مِنْ"يُجادلون"كما تقدَّم أيضاً . الثالث: أنه الكافُ في"كذلك". قال الزمخشري:"وفاعلُ"كَبُرَ " قولُه:"كذلك"أي: كَبُرَ مَقْتاً مثلُ ذلك الجدالِ ، ويَطْبع اللَّهُ كلامٌ مستأنفٌ " ورَدَّه الشيخُ: بأنَّ فيه تَفْكيكاً للكلامِ وارتكابَ مذهبٍ ليس بصحيحٍ . أمَّا التفكيكُ فلأنَّ ما جاء في القرآن مِنْ"كذلك نَطْبَعُ"أو"يَطْبع"إنما جاء مربوطاً بعضُه ببعض فكذلك هذا ، وأمَّا ارتكابُ مذهبٍ غيرِ صحيح فإنه جَعَل الكافَ اسماً ولا تكونُ اسماً إلاَّ في ضرورةٍ ، خلافاً للأخفش .
الرابع: أنَّ الفاعلَ محذوفٌ ، نقله الزمخشري . قال:"ومَنْ قال: كَبُرَ مَقْتاً عند الله جِدالُهم ، فقد حَذَفَ الفاعلَ ، والفاعلُ لا يصِحُّ حَذْفُه". قلت: القائلُ بذلك الحوفيُّ ، لكنه لا يريدُ بذلك تفسيرَ الإِعراب ، إنما يريدُ به تفسيرَ المعنى ، وهو معنى ما قَدَّمْتُه مِنْ أنَّ الفاعلَ ضميرٌ يعودُ على جدالِهم المفهومِ مِنْ فعلِه ، فصَرَّح الحوفيُّ بالأصلِ ، وهو الاسمُ الظاهرُ ، ومرادُه ضميرٌ يعودُ عليه .