ولا قائلا إلّا وهو المتعيّبا على فعل آخر ، وإنما لم يستجيزوا ذلك ، لأنّ حرف الاستثناء في معنى حرف النفي ، ألا ترى أنّك إذا قلت: قام القوم إلّا زيدا ، فالمعنى قام القوم لا زيد ؟ فكما لا يعمل ما في قبل حرف النفي فيما بعده ، كذلك لم يعمل ما قبل الاستثناء إذا كان كلاما تامّا فيما بعده ، إذ كان بمعنى النفي ، وكذلك لا يجوز أن يعمل ما بعد إلّا فيما قبلها نحو: ما أنا الخبز إلّا آكل ، كما لم يعمل ما بعد حرف النفي فيما قبله ، فإذا كان كذلك لم يتصل الجارّ بما قبل إلّا ، ويمنع أن يتصل به الجار من وجه آخر ، وهو أن قوله: أو من وراء حجاب [الشورى / 51] في صلة وحي الذي هو بمعنى أن يوحي فإذا كان كذلك لم يجز أن يحمل الجارّ الذي هو من في قوله: أو من وراء حجاب على أن يرسل ، لأنّه يفصل بين الصّلة والموصول بما ليس منها ، ألا ترى أنّ
المعطوف على الصلة في الصلة ؟ فإذا حملت العطف على ما ليس في الصلة ، فصلت بين الصّلة والموصول بالأجنبي الذي ليس منهما ، فإذا لم يجز حمله على يكلّم في قوله: ما كان لبشر أن يكلمه الله [الشورى / 51] ولم يكن بدّ من أن يعلّق الجارّ بشيء ، ولم يكن في اللّفظ شيء تحمله عليه ، أضمرت يكلم وجعلت الجار في قوله: أو من وراء حجاب متعلقا بفعل مراد في الصّلة محذوف منها للدلالة عليه ، وقد تحذف من الصّلة أشياء للدّلالة عليها ، ويكون في المعنى معطوفا على الفعل المقدّر صلة لأن الموصولة بيوحي ، فيكون التقدير: