وقوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الأحقاف: 9] انظر هنا إلى العظمة في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يتكلم بما عنده كأنه يقول:"يرد عليّ فأقول: أنا لستُ كأحدكم، ويُؤخذ مني فاقول ما أنا إلا بشر مثلكم".
إذن: سيدنا رسول الله لم يأتِ بشيء من عنده إلا في المسألة التي لم يرد فيها حكم، فإنِ اجتهد في مسألة لم يردْ فيها حكم وأخطأ قبل أنْ يُعدِّل الله له، وأنْ يُصحَّح له ولا يأنف من ذلك، وهو الذي يخبرنا بهذا التعديل، كما في قوله تعالى:
{ياأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التحريم: 1] .
ثم يقول الحق سبحانه:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ...} .
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}
معنى {أَرَأَيْتُمْ ..} [الأحقاف: 10] أخبروني أنتم إن كنتم شاهدتم {إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ..} [الأحقاف: 10] الجواب تقديره: ماذا يحدث لكم؟ والجواب معلوم: إنْ كان هذا القرآن من عند الله ومع ذلك كفرتُم به فلن تنالوا إلا غضبَ الله في الدنيا وعقابه في الآخرة.
{وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ..} [الأحقاف: 10] الشاهد الذي شهد على صدق القرآن، وأنه من عند الله هو عبد الله بن سلام، وهو أحد أحبار اليهود وأسلم وشهد لمحمد وللقرآن.
{عَلَى مِثْلِهِ ..} [الأحقاف: 10] على مثل القرآن من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، فهو مثلها من عند الله يدعو إلى ما دعتْ إليه من عبادة الله وتوحيده، فكما نزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى نزل القرآنُ على محمد صلى الله عليه وسلم، وصفته ثابتة عندهم في التوراة.
لذلك كان يقول عن رسول الله: والله لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لولدي ومعرفتي لمحمد أشد. نعم عرفه من العلامات التي وردت في كتبهم.
يقول تعالى:
{وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ..} [البقرة: 89] أي: القرآن
{وَكَانُواْ مِن قَبْلُ ..} [البقرة: 89] أي من قبل نزول القرآن