أي: هاتوا لي - أيها المشركون - كتابا من قبل هذا القرآن يدل على صحة ما أنتم عليه من شرك، فإن لم تستطيعوا ذلك - ولن تستطيعوا - فأتونى ببقية من علم يؤثر عن السابقين، ويسند إليهم، ويشهد لكم بصحة ما أنتم فيه من كفر.
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فيما تزعمونه من أنكم على الحق.
وهكذا أخذ عليهم القرآن الحجة، وألزمهم ببطلان ما هم عليه من ضلال، بالأدلة العقلية المتمثلة في شهادة هذا الكون المفتوح، وبالأدلة النقلية المتمثلة في أنه لا يوجد عندهم كتاب أو ما يشبه الكتاب. يستندون إليه في استحقاق تلك المعبودات للعبادة.
والحق أن هذا الآية الكريمة على رأس الآيات التي تخرس أصحاب الأقوال التي لا دليل على صحتها، وتعلم الناس مناهج البحث الصحيح الذي يوصلهم إلى الحق والعدل ..
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين قد بلغوا الذروة في ضلالهم وجهلهم فقال: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
أي: لا أحد أشد ضلالا وجهلا من هؤلاء المشركين الذين يعبدون من دون الله - تعالى - آلهة، هذه الآلهة لا تسمع كلامهم، ولا تعقل نداءهم، ولا تشعر بعبادتهم لها منذ أن عبدوها، إلى أن تقوم الساعة.
فإذا ما قامت الساعة، تحولت هذه الآلهة - بجانب عدم شعورها بشيء إلى عدوة لهؤلاء العابدين لها.
قال بعض العلماء: وفي قوله: إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ نكتة حسنة، وذلك أنه جعل يوم القيامة غاية لعدم الاستجابة، ومن شأن الغاية انتهاء المغيا عندها. لكن عدم الاستجابة مستمر بعد هذه الغاية، لأنهم في يوم القيامة لا يستجيبون لهم.
فالوجه - والله أعلم - أنها من الغايات المشعرة، بأن ما بعدها وإن وافق ما قبلها، إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثاني، حتى كأن الحالتين وإن كانتا نوعا واحدا، لتفاوت ما بينهما كالشيء وضده، وذلك أن الحالة الأولى التي جعلت غايتها القيامة لا تزيد على عدم الاستجابة، والحالة الثانية التي في القيامة زادت على عدم الاستجابة، بالعداوة بالكفر بعبادتهم إياهم.
ثم أكد - سبحانه - عدم إحساس الأصنام بعابديها فقال: وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ.