{أَمْ حَسِبَ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} هم المنافقون الذين فُصِّلتْ أحوالُهم الشنيعةُ، وُصفُوا بوصفِهم السابقِ لكونِه مداراً لِما نُعِيَ عليهم بقولِه تعالى: {أَن لَّن يُخْرِجَ الله أضغانهم} فأمْ منقطعةٌ وأنْ مخففةٌ من أنَّ وضميرُ الشأنِ الذي هو اسمُها محذوفٌ ولنْ بما في حيزِها خبرُها. والأضغانُ جمعُ ضَغنِ وهو الحقدُ، أي بل أحسبَ الذين في قلوبِهم حقدٌ وعداوةٌ للمؤمنين أنه لنْ يخرجَ الله أحقادَهم ولن يُبرزَها لرسولِه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنينَ فتبقى أمورُهم مستورةً والمعنى أنَّ ذلك مما لا يكادُ يدخلُ تحتَ الاحتمالِ.
{وَلَوْ نَشَاء} إراءتَهم {لأريناكهم} لعرّفناكَهُم بدلائلَ تعرفُهم بأعيانِهم معرفةً متاخمةٌ للرؤيةِ. والالتفاتُ إلى نونِ العظمةِ لإبرازِ العنايةِ بالإراءةِ {فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم} بعلامتهم التي نسِمهُم بها. وعن أنسٍ رضيَ الله عنه ما خَفِيَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بعد هذهِ الآيةِ شئٌ من المنافقين كان يعرفُهم بسيماهم ولقد كنا في بعضِ الغزواتِ وفيها تسعةٌ من المنافقينَ يشكُوهم الناسُ فناموا ذاتَ ليلةٍ وأصبحوا وعلى كلِّ واحدٍ منهم مكتوبٌ هذا منافقٌ. واللامُ لامُ الجوابِ كُررتْ في المعطوفِ للتأكيدِ، والفاءُ لترتيبِ المعرفةِ على الإراءةِ، وأمَّا ما في قولِه تعالى: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول} فلجوابِ قسمٍ محذوفٍ. ولحنُ القولِ نحوُه وأسلوبُه أو إمالتُه إلى جهةِ تعريضٍ وتوريةٍ، ومنه قيلَ للمُخطئِ لاحنٌ لعدلِه بالكلامِ عن سمتِ الصوابِ. {والله يَعْلَمُ أعمالكم} فيجازيكُم بسحبِ قصدِكم، وهذا وعدٌ للمؤمنين وإيذانٌ بأنَّ حالَهم بخلافِ حالِ المنافقينَ. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 8 صـ}