ثمّ بيّن شحّ الإنسان على ماله، وشدة حرصه عليه، فقال: {إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا} إلخ؛ أي: إن يسألكم ربكم أموالكم فيجهدكم بالمسألة، ويلحف عليها بطلبها. تبخلوا بها وتمنعوها إياه ضنّا منكم بها، لكنه علم ذلك منكم فلم يسألكموها، فيخرج ذلك السؤال أحقادكم لمزيد حبكم للمال، قال قتادة: قد علم الله سبحانه أنّ في سؤال المال خروج الأضغان للإسلام، من حيث محبّة المال بالجبلة والطبيعة، ومن نوزع في حبيبه .. ظهرت طوّيته التي كان يسرها.
والخلاصة: قد علم الله شحّ الإنسان على المال، فلم يطلب منه إلا النزر اليسير في الصدقات، وبذل المال في المرافق العامة لإصلاح شؤون المجتمع الإِسلاميّ، كسدّ الثغور، وبناء القناطر والجسور.
38 -ثمّ أكد ما سلف وقرّره بقوله: {هَا} حرف تنبيه بمعنى انتبهوا {أَنْتُمْ} كلمة على حدة، وهو مبتدأ، خبره: قوله: {هَؤُلَاءِ} ؛ أي: انتبهوا أنتم أيها المخاطبون هؤلاء الموصوفون؛ يعني: في قوله: {إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا} الآية. {تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} . استئناف مقرّر لذلك، حيث دلّ على أنهم يدعون لإنفاق بعض أموالهم في سبيل الله، فيبخل ناس منهم، أو صلة لهؤلاء على أنه بمعنى الذين؛ أي: ها أنتم الذين تدعون، ففيه توبيخ عظيم، وتحقير من شأنهم، والإنفاق في سبيل الله يعمّ نفقة الغزو والزكاة وغيرهما؛ أي: ها أنتم أيها المؤمنون تدعون إلى النفقة في جهاد أعداء الله، ونصرة دينه {فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ} بالرفع، ومنكم من يجود؛ لأنّ من هذه ليست بشرط؛ أي: فمنكم ناس يبخلون، وهو في حيّز الدليل على الشرطية الثانية، كأنه قيل: الدليل عليه أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون بما يطلب منهم ويدعون إليه من الإنفاق في سبيل الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال .. فكيف لا يبخلون بالكثير: وهو جميع الأموال.