ثم أخبر عن مرض أصحاب الغرض بقوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} [محمد: 29] ، يشير إلى أن من مرض القلوب الحسبان الفاسد والظنون الكاذبة، فظنوا أن الله لا يطلع على خبث عقائدهم ولا يظهره على رسوله، ليس الأمر كما توهموه؛ بل الله تعالى فضحهم وكشف تلبيسهم، ولقد أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم وعرفه أعيانهم.
وقال: {وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ} [محمد: 30] ، بإراءته الحق تعالى إياه، وقال: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30] ؛ أي: في معنى الخطاب؛ لأنك تنظر بنور الله فترى منشأ كلامهم، فيخبرك سرائرهم عن ضمائرهم، وأن الأسرة لتدل على السريرة؛ فالمؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارف ينظر بنور التحقيق، والنبي ينظر بالله فلا يستتر عليه شيء، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 30] إنها صادرة بخباثة نياتكم.
وبقوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ} [محمد: 31] ، يشير إلى أن البلاء مخلص إبريز الولاء، كما قيل: البلاء للولاء كاللهب للذهب، فإن بالابتلاء والامتحان يتبين جواهر الرجال؛ فيظهر المخلص، ويفضح المارق، وينكشف المنافق، ويتميز الموافق، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان.
وفي قوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] ، إشارة إلى أننا نعلمكم، ونكشف لكم من المجاهد الصابر منكم، وبالابتلاء نخبركم عن جواهركم أنها من السعداء والأشقياء، وإلا نحن عالمون بخالص جواهركم من الأزل إلى الأبد؛ لأنا خلقناها على أوصافها، {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] ، فيتغير أحوال جواهركم في الأمة، فإن المختلفة لا تظنوا تغير علمنا، فإذا يراكم في حالة واحدة، وتغيرات أحوالكم كلها كما هي؛ بحيث لا يشغلنا حالة عن حالة.