قال الناصر: وليس قوله {فَكَذَّبُوا} الثاني تكراراً ، لأن الأول مطلق ، والثاني مقيد . وهو كقوله في السورة {فَتَعَاطَى فَعَقَرَ} [القمر: 29] ، فإن تعاطيه هو نفس عقره ، ولكن ذكره من جهة عمومه ، ثم من ناحية خصوصه إسهاباً ، وهو بمثابة ذكره مرتين . وجواب آخر هنا وهو أن المكذب أولاً محذوف دلَّ عليه ذكر نوح ، فكأنه قال: كذبت قوم نوح نوحاً ، ثم جاء بتكذيبهم ثانياً مضافاً إلى قوله {عَبْدِنَا} فوصف نوحاً بخصوص العبودية ، وأضافه إليه إضافة تشريف ؛ فالتكذيب المخبر عنه ثانياً أبشع عليهم من المذكور أولاً ، لتلك اللمحة . انتهى .
{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ} [10]
(فدعا ربه أني مغلوب فانتصر) أي: غلبني قومي تمرداً وعتواً فلم يسمعوا مني واستحكم اليأس منهم ، فانتقِم منهم بعذاب ترسله عليهم .
ثم أشار إلى استجابته تعالى دعاءه: بالطوفان الذي هلكوا فيه بقوله سبحانه:
{فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ * وَلَقَد تَّرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [11 - 16]
{فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ} أي: مندفق . وفيه استعارة تمثيلية ، بتشبيه تدفع المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت لها أبواب السماء ، وشق لها أديم الخضراء .
{وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً} أي: وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون تتفجر {فَالْتَقَى الْمَاء} أي: ماء السماء وماء الأرض {عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} أي: على حال قدره الله وقضاه ، وهو هلاك قوم نوح .