والقرآن يولي هذه الحقيقة عناية كبيرة , فينص عليها في كل مناسبة بما يفيد طلاقة المشيئة من كل قيد يرد عليها حتى من عملها هي . لتبقى هذه الحقيقة واضحة , ويبقى تصورها غير مشوب . فقد وعد الله أهل الجنة بالخلود فيها وأهل النار كذلك . وهذا الوعد صادر من المشيئة . ولكنه أبقى المشيئة طليقة خارج نطاق هذا الوعد ذاته وهو من عملها وباختيارها . فقال عن هؤلاء وهؤلاء: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك . .) . . وهكذا في كل موضع وردت فيه مثل هذه المناسبة . ولا مجال لمنطق العقل البشري ولا لمقرراته في هذا المجال . وعليه أن يأخذ مقرراته كلها من هذا القرآن , لا من معين آخر غير القرآن !
ومن ثم يتمثل للقلب البشري من خلال هذه الآية سلطان الله المطلق في ملكه الذي لا شريك له فيه , والذي يتوجه إليه سبحانه بالتسبيح وحق له أن يتوجه , وحق عليه أن يسبح .
وما يكاد يفيق من تصور هذه الحقيقة الضخمة التي تملأ الكيان البشري وتفيض , حتى تطالعه حقيقة أخرى , لعلها أضخم وأقوى . حقيقة أن لا كينونة لشيء في هذا الوجود على الحقيقة . فالكينونة الواحدة الحقيقية هي لله وحده سبحانه ; ومن ثم فهي محيطة بكل شيء , عليمة بكل شيء:
(هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) . .
الأول فليس قبله شيء . والآخر فليس بعده شيء . والظاهر فليس فوقه شيء . والباطن فليس دونه شيء .
الأول والآخر مستغرقا كل حقيقة الزمان , والظاهر والباطن مستغرقا كل حقيقة المكان . وهما مطلقتان . ويتلفت القلب البشري فلا يجد كينونة لشيء إلا لله . وهذه كل مقومات الكينونة ثابتة له دون سواه . حتى وجود هذا القلب ذاته لا يتحقق إلا مستمدا من وجود الله . فهذا الوجود الإلهي هو الوجود الحقيقي الذي يستمد منه كل شيء وجوده . وهذه الحقيقة هي الحقيقة الأولى التي يستمد منها كل شيء حقيقته . وليس وراءها حقيقة ذاتية ولا وجود ذاتي لشيء في هذا الوجود . .