وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه لا يصيب الناس شيء من المصائب إلا وهو مكتوب عند الله قبل ذلك ، أوضحه الله تعالى في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} [التوبة: 51] وقوله تعالى {مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} [التغابن: 11] وقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات وَبَشِّرِ الصابرين} [البقرة: 155] ، لأن قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع} قبل وقوع ذلك دليل على أن هذه المصائب معلومة له جل وعلا قبل وقوعها ، ولذا أخبرهم تعالى بأنها ستقع ، ليكونوا مستعدين لها وقت نزولها بهم ، لأن ذلك يعينهم على الصبر عليها ، ونقص الأموار والثمرات مما أصاب من مصيبة ، ونقص الأنفس في قوله: والأنفس ، مما أصاب من مصيبة في النفس ، وقوله في آية الحديد هذه {لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} [الحديد: 23] أي بينا لكم أن الأشيءا مقدرة مكتوبة قبل وجود الخلق ، وأن ما كتب واقع لا محالة لأجل ألا تحزنون على شيء فاتكم ، لأن فواته لكم مقدر ، وما لا طمع فيه قل الأسى عليه ، ولا تفرحوا بما ىتاكم ، لأنكم إذا علمتم أن ما كتب لكم من الرزق والخير لا بد ان يأتيكم قل فرحكم به ، وقوله: تأسوا ، مضارع أسى بكسر السين يأسى بفتحها أسى بفتحتين على القياس ، بمعنى حزن ومنه قوله تعالى: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين} [المائدة: 68] وقوله: من مصيبة مجرور في محل رفع لأنه فاعل أصاب جر بمن المزيدة لتوكيد النفي ، وما نافية.
قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط} .