فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 133

{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) }

وفي الآيات هذه عدة شواهد على مجازية الآية السابقة، وعلى مجازية الآيات نفسها في عدة دلائل منها:

1 -إن المعنى: يحشر أعمى البصر، وقيل أعمى عن الحجة، أي لا حجة يهتدي إليها.

قال الفراء: «يقال أنه يخرج من قبره بصيرا في حشره» .

وفي ذلك دلالة على أن لا ملازمة بين العمى الحقيقي في الآية السابقة وبين الضلال. فقد يحشر البصير في هذه الدنيا أعمى في الآخرة، وهذا العمى قد يكون على ظاهره كما حمله أبو زكريا الفرّاء وقد يكون مجازه كما

روى ذلك معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السّلام يعني الإمام جعفر بن محمد الصادق عن رجل لم يحج وله مال، قال هو ممن قال الله (ونحشره يوم القيامة أعمى) فقلت سبحان الله أعمى، قال أعماه الله عن طريق الحق.

قال الطبرسي (ت: 548 هـ) فهذا يطابق قول من قال: إن المعنى في الآية أعمى عن جهات الخير لا يهتدي لشيء منها.

2 -وكما حشر أعمى حينما أعرض في حياته الدنيا عن القرآن ودلائل الشريعة، وسنن النبوة، ونسي آيات الله، فقد صكّ (فكذلك اليوم تنسى) أيها الناسي، فتصير بمنزلة من ترك كالمنسي بعذاب لا يفنى.

3 -وقيل معناه: كما حشرتك أعمى، لتكون فصيحة، كنت أعمى القلب، فتركت آياتي ولم تنظر فيها، وكما تركت أوامرنا فجعلتها كالشيء المنسي، تترك اليوم في العذاب كالشيء المنسي.

فالمجازية في إضراب هذه الألفاظ متواترة الورود في الروايات ومقتضاة لضرورة المعاني.

والطريف أننا لو رجعنا إلى المصادر التراثية في تفسير تلك الألفاظ وأمثلها، لكان ذلك وحده كافيا للاستدلال بوقوع المجاز في القرآن، وانظر إلى جمهرة الأقوال في شتى شئونها بالنسبة للآية موضوع البحث، وإنما أكدنا عليها لأن دلالتها واضحة تكاد لا تخفى على السواد، فكيف

بالعلماء، وهذه بعض مميزات النص القرآني أن يكون بعضه مفهوما بين الناس دون عناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت