فستقف عند حقيقتين مجازيتين يرتبطان بشد النفس إليهما والوقوف بتأمل ويقظة وحذر عندهما:
الأولى: إسناد الاشتداد إلى الريح، لتهيئة المناخ النفسي لتلقي هذه الصورة، وحصر التفكير في كيفية هذه الريح ونوعيتها، فهي فاعلة متحركة، دائبة، متموجة، طاغية، مطاوعة، وليس للريح حول ولا طول في الملحظ التكويني، فلا هي مشتدة حقيقة ولا هي جارية واقعا، وإسناد هذا وذاك إليها كان بسبيل من المجاز، لأن تسخيرها بالله وحده، فلا إرادة للريح ولا طواعية، والمجاز هو الذي طوع هذه الحقيقة اللغوية، فأعارها مناخا جديدا، وكأن الريح قائمة، والجري على أشده، والحركة ذاتية.
الثانية: إسناد الفاعلية والصفة الثبوتية للزمان لمشابهته الفاعل
الحقيقي، فقد أسند عصف الريح إلى اليوم، وهو دال على زمان من الأزمان، ولا تستند إليه الفاعلية حقيقة إلا على نحو المجاز، وهو كذلك، وهذا أيضا مما نظر فيه إلى النفس ليخلص اتجاهها في تصور شدة ذلك اليوم، وعصف ذلك اليوم، وحديث ذلك اليوم، دون التفكير في الهوامش والجوانب الفائضة، فكأن المراد هو اليوم فنسب إليه العصف، فأقام اليوم مقام المضاف المحذوف في التقدير اللغوي الأصل، فهو يوم ذو عصف، إن صح ما تأولوه.
وقد يكون هذا الإدراك على سبيل التعبير عن شدة الأمر، وقيام العصف على أشده في ذلك اليوم، مما يهم الإنسان، فارتبط الحدث به نفسيا، فأسند إليه الفعل كما هي الحال في قوله تعالى:
{فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا 17} .
يقول الدكتور أحمد بدوي معلّلا هذه النسبة نفسيا:
«ولما كان يوم القيامة تملؤه أحداث مرعبة، تملأ النفوس هولا يتسبب عنها لشدتها الشيب، وكان هذا اليوم ظرفا لتلك الأحداث، صح أن يسند الشيب إليه» .