فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 133

{وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ(48)كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ(49)}

3 -الخصائص النفسية في مجاز القرآن

ليس أمرا سهلا، أن يساير النص الأدبي النفس الإنسانية، وليس هينا أن تتطلب النفس أيضا نصا أدبيا، فالنفس جموح لا تهدأ، وغروف لا تكبح، وشرود لا يسيطر عليها نص اعتيادي، أو فن قولي، دون أن تتمثل به أرقى مميزات الانجذاب التلقائي، والبعد النفساني المتوازن، فتقبل عليه النفس اشتياقا أو إيناسا، وتعزب عن سواه نفورا أو إيحاشا.

النص وجودته وحدهما يهيئان المناخ المناسب في النفس الإنسانية إقبالا على النّص أو عزوفا عنه. ومن ثم فالمجاز القرآني وهو ينقل اللفظ من صورة إلى صورة أخرى على النحو الذي يريده المصور، فإن أراد صورة متداعية في القبح ساق اللفظ إلى ما يمثل تلك الصورة بما هو أردأ منها في صيغتها الحقيقية. فأنت تستطيع في المجاز تكييف النص الأدبي نحو المعنى المراد، دون توقف لغوي أو معارضة من دلالة اللفظ

المركزية، وذلك بحسب ما تريده من إثارة النفس، أو إلهاب العاطفة، أو إذكاء الشعور في حالتي الترغيب والتنفير، وهما حالتان متعلقتان بالحس العاطفي لدى الإنسان، وناظرتان إلى الانفعالات الوجدانية في النفس الإنسانية.

أفي توجيه النفس نحو الترغيب تقف على «قاصرات الطرف» في حكايتها المجازية من قوله تعالى:

{وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ(48)كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ(49)}.

والحدث حقيقي الوقوع بأبعاده التصويرية المتأنقة، ولكنك ترى ما في الوصف، والتعبير عن النساء بقاصرات الطرف وليس في طرفهن قصور، من التراصف البياني المرتبط بإثارة النفس للتعلق بمن تنطبق عليه هذه العبارة، أو تتحقق فيه هذه الأوصاف التي تطمئن إليها الروح الإنسانية وتهش لها الذات البشرية، ويتطلع إليها الخيال متشوفا مع نقاء الصورة، ولطف الاستدراج ورقة الترغيب المتناهي، فقد وصف نساء أهل الجنة بحسن العيون الناظرة إلى أزواجها فحسب عفة وخفرا وطهارة، دون التردد في النظر إلى هذا وذاك، وأضاف إلى هذا الملحظ التشبيه الحسي بالبيض المكنون على عادة العرب في وصف من اشتد حجابه، وتزايد ستره، بأنه في كن عن التبرج، ومنعة من الاستهتار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت