(فصل في الحض على اكتساب الإخوان ومدارتهم والصفح عن زلاتهم وهوافتهم)
قال عبد الملك بن مروان يوما لأهل بيته وجلسائه: لينشد كل منكم أحسن شعر سمعه.
فانشدوا لامرئ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، فأكثروا حتى أتوا على محاسن ما يحفظون.
فقال عبد الملك: أشعرهم والله الذي يقول:
وذي رحم قلمت أظفار ضغنه ... بحلمي عنه وهو ليس له حلم
إذا سمته وصل القرابة سامني ... قطيعتها تلك السفاهة والظلم
ويسعى إذا أبني ليهدم صالحي ... وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم
يحاول رغمي لا يحاول غيره ... وكالموت عندي أن يحل به الرغم
فما زلت في لين له وتعطف ... عليه كما تحنو على الولد الأم
لأستللن الضغن حتى سللته ... وإن كان ذا ضغن يضيق به الحلم
وأطفأت نار الحرب بيني وبينه ... فأصبح بعد الحرب وهولنا سلم
وقال بشار بن برد:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وقال كثير عزة:
ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ... يجدها، ولا يسلم له الدهر، صاحب
وقال آخر:
اقبل أخاك ببعضه ... قد يقبل المعروف نزرا
واصبر عليه فإنه ... إن ساء عصرا سر عصرا
وقال آخر:
واصل أخاك وإن أتاك بمنكر ... فخلوص شيء قلما يتمكن
ولكل شيء آفة موجودة ... إن السراج على سناه يدخن
ابن الحداد المغولي:
اشدد يديك على أخيك تكن به ... في كل أمر تبتغيه قديرا
لو لم يكن بأخ أخ متأيدا ... لم يتخذ موسى أخاه وزيرا
وقال آخر:
تكثر من الإخوان ما اسطعت إنهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور
وليس كثيرا ألف خل وصاحب ... وإن عدوا واحدا لكثير
أبو الفتح البستي:
تحمل أخاك على ما به ... فما في استقامته مطمع
وإني له خلق واحد ... وفيه طبائعه الأربع
وقال آخر:
من لم يكن ذا خليل ... يفشي إليه بسره
ويستريح إليه ... في خير أمر وشره
فليس يعرف طعما ... لحلو عيش ومره
ابن المعتز:
الله حسبي وبه توفيقي ... ما أسمج الدنيا بلا صديق
وأضعف المال عن الحقوق ... وأميل الدهر إلى العقوق
وقال آخر:
إذا ما صديقي رابني سوء فعله ... ولم يك عما ساءني بمفيق
صبرت على أشياء منه تريبني ... مخافة أن أبقى بغير صديق
وقال آخر:
إذا أنت لم تستقبل الأخ لم تجد ... لكفيك في إدباره متعلقا
إذا أنت لم تترك أخاك وزلة ... إذا زلها، أوشكتما أن تفرقا