فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 97

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) }

(فصل: في الملوك وذكر أحوالهم)

قال أفلاطون: الملك كالنهر الأعظم, تستمد منه الأنهار الصغار. فإن كان عذبا عذبت, وإن كان ملحا ملحت.

وقال أبو حازم الأعرج: السلطان سوق فما نفق فيه جلب إليه.

وقال أفلاطون: ينبغي للملك أن لا يطلب المحبة من أصحابه, إلا بعد تمكن هيبته من نفوسهم, فإنه يجدها بأيسر مؤونة, فأما إن طلبها قبل أن يستشعروا هيبته لم يجتمعوا عليه, ولم يضبطهم بها.

وقال: إذا بغى الرئيس ضيع الفرصة, وترفع عن الحيلة, وأنف من التحرز, وظن أنه يكتفي بنفسه؛ فعند ذلك يصل إليه من سدد نحوه, فيجد عورته بارزة, ومقاتله بادية.

وقال آخر: إذا رغبت الملوك عن العدل, رغبت الرعية عن الطاعة.

وقال آخر: يضطغن على السلطان رجلان, رجل أحسن مع محسنين فأثيبوا وحرم, ورجل أساء مع مسيئين فعوقب وعفي عنهم.

وقال بهرام جور لا شيء أضر بالملوك من استخبار من لا يصدق أن خبر, واستكفاء من لا ينصح إن دبر.

وقال آخر: ينبغي للملك أن لا يضيع التثبت عندما يقول, وعندما يفعل؛ فإن الرجوع عن الصمت, أحسن من الرجوع عن الكلام, والعطية بعد المنع أجمل من المنع بعد العطية, والإقدام على العمل بعد التأني فيه, خير من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه.

وقال ابن المقفع ليس للملك أن يغضب, لأن القدرة من وراء حاجته؛ وليس له أن يكذب, لأن أحدا لا يقدر على إكراهه على غير ما يريد؛ وليس له أن يغل, لأنه أقل الناس عذرا في خفيفة الفقر؛ وليس له أن يكون حقودا, لأن خطره قد عظم عن المجازاة.

وكان كسرى يقول عاملوا الأحرار بمحض المودة, وعاملوا العامة بالرغبة والرهبة, وعاملوا السفلة بالمخافة محضا.

وقال: إذا كثر مال الملك مما يأخذ من رعيته, كان كمن يعمر سطح بيته مما يقلعه من أساس بنائه.

وقال آخر: لا ينبغي للملك أن يكون كذابا, ولا بخيلا, ولا حسودا, ولا جبانا؛ فإنه إن كان كذابا ثم وعد خيرا لم يرج, أو أوعد شرا لم يخش. وإن كان بخيلا لم يناصحه أحد, ولا يصلح الملك إلا بالمناصحة. وإن كان حسودا لم يشرف أحدا, ولا يصلح الناس إلا بأشرافهم. وإن كان جبانا اجترأ عليه عدوه, وضاعت ثغوره.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يصلح لهذا الأمر إلا اللين في غير ضعف, القوي من غير عنف.

وقال معاوية بن أبي سفيان: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي, ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني, ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت أبدا. قيل له: وكيف ذاك؟ قال: كنت إذا جبذوها أرخيتها, وإذا أرخوها جبذتها.

وقال عمرو ابن العاص: لا سلطان إلا برجال, ولا رجال إلا بمال, ولا مال إلا بعمار, ولا عمارة إلا بعدل.

وقال بعض الحكماء: إذا ساوى الوزير الملك في زيه وماله وطاعة الناس له, فليصرعه, وإلا فليعلم أنه المصروع.

وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: كلكم ترشح نفسه لهذا الأمر, ولا يصلح له منكم, إلا من كان له سيف مسلول, ومال مبذول, وعدل تطمئن إليه القلوب.

وقال لابنه الوليد: يا بني: اعلم أنه ليس بين السلطان وبين أن يملك الرعية أو تملكه, إلا حزم أو توان.

وقال آخر: فضل الملوك في الإعطاء, وشرفهم في العفو, وعزهم في العدل.

وقيل لبعض الملوك - وقد بلغ في القدر والسلطان ما لم يبلغه أحد من ملوك زمانه-: ما الذي بلغ بك هذه المنزلة؟ قال: عفوي عند قدرتي, وليني بعد شدتي, وبذلي الإنصاف ولو من نفسي, واتقائي في الحب والبغض مكان الاستبداد.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"عدل ساعة في حكومة, خير من عبادة ستين سنة".

وقال بعض الحكماء: إمام عادل خير من مطر وابل, وإمام غشوم شر من فتنة تدوم.

وقال آخر: من شارك السلطان في عز الدنيا, شاركه في ذل الآخرة.

وقال آخر: إذا قال السلطان لغلمانه هاتوا, فقد قال لهم: خذوا.

وقال آخر: مثل أصحاب السلطان, مثل قوم رقوا جبالا ثم هووا منه, فكان أقربهم من التلف أبعدهم في المرقى.

وقال أبو مسلم الخراساني: خاطر من ركب البحر, وأشد منه مخاطرة من داخل الملوك.

(فصل: فيما يجب على من يصحب السلطان)

قال الشعبي, قال لي عبد الله بن عباس, قال لي أبي: يا بني: إني أرى هذا الرجل - يعني عمر بن الخطاب- يقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وإني أوصيك بخلال أربع: لا تفشين له سرا, ولا تجرين عليك كذبا, ولا تطوين عليه نصيحة, ولا تغتابن عنده أحدا.

قال الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحدة خير من ألف. قال: إي والله, ومن عشرة آلاف.

وقال بعض الحكماء: إذا زادك السلطان إكراما فزده إعظاما, وإذا جعلك ولدا فاجعله سيدا, وإذا جعلك أخا فاجعله والدا, وإذا جعلك والدا فاجعله ربا, ولا تدمن النظر إليه, ولا تكثر من الدعاء له, ولا تتغير له إذا سخط, ولا تغتر به إذا رضي, ولا تلحف في مسألته! وقال خالد بن صفوان: لا تكن صحبتك للملوك إلا بعد رياضة منك لنفسك؛ فإن كنت حافظا لما ولوك, أمينا إذا ائتمنوك, حذرا إذا قربوك, ذليلا إذا صرموك, راضيا إذا أسخطوك, تعلمهم وكأنك تتعلم منهم, وتؤدبهم وكأنك تتأدب بهم, وإلا فالبعد منهم كل البعد, والحذر منهم كل الحذر.

وقال الفضل بن الربيع: من كلم الملوك في حاجة في غير وقتها, جهل مقامه وضاع كلامه, وما أشبه ذلك إلا بأوقات الصلاة التي لا تقبل إلا فيها.

وقال خالد بن صفوان من صحب السلطان بالنصيحة والأمانة, كان أكثر عدوا ممن صحبه بالغش والخيانة, لأنه يجتمع على الناصح عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد؛ فعدو السلطان يبغضه لنصيحته, وصديقه ينافسه مرتبته.

وقال أفلاطون إذا خدمت ملكا فلا تطعه في معصية بارئك, فإن إحسانه إليك أفضل من إحسانه, وإيقاعه بك أغلظ من إيقاعه. وقال إذا خدمت حازما فأرضه بإسقاط حاشيته, وإذا خدمت عاجزا فأسخطه برضاء أتباعه. وقال إذا خدمت ملكا فأظهر له الاستهانة بما فضلت به عليه, وأكثر التعجب مما فضل به عليك.

وقال عبد الله بن عمر: إذا كان الإمام عادلا, فله الأجر وعليك الشكر, وإذا كان جائرا, فعليه الوزر وعليك الصبر.

وقال آخر: إن استطعت أن ترى من خدمته غناك عنه, ليس بأن توهمه كثرة الجدة, ولكن بأن تعلمه بأن قليلك يقيم بأحوالك, كما يقيم كثيره بأحواله, فافعل! وقال آخر: اصحب السلطان بثلاث؛ بأعمال الحذر, ورفض الدالة, وإحراز الحجة!

وقال أفلاطون لا تشيرن على الملك في أحد بما تكره أن يعمله في أمرك إذا حللت محله.

وقال آخر: أخدم الجاهل من الرؤساء, بإتباع رضاه, والعاقل بإحراز الحجة عليه أو له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت