فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 312

قال أبو الحسن المدائني: لمّا ادّعى معاوية بن أبي سفيان رحمه الله زياد بن عبيد، وقدم بذلك عمرو بن العاص المدينة: جزعت بنو أميّة من ذلك جزعا شديدا، فقدموا الشأم بأجمعهم، ونزلوا في مكان واحد، ووجدوا مروان بن الحكم قد كتب له معاوية بن أبي سفيان عهدا بولاية المدينة، فأتوه فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد ترى ما ركبنا به معاوية من أمر ليس لنا عليه صبر ولا قرار، ولا ينام على مثله الأحرار، ويعذر بعض الإعذار: إدخاله من ليس منّا، يريد أن يدخله على حرمنا ونسائنا، وإيثاره علينا من هو دوننا، وقد أجمع رأينا على أن نعاتبه في ذلك، فإن قبل قبلنا، وإن أبي اعتزلنا. فقال مروان: قد والله كلمته في ذلك ثلاث مرات، ليس فيها مرة إلّا وهو يظهر التعتّب والتغضّب، ويزعم أنّي في هذا الأمر أوحد. فقال سعيد بن العاص: لا والله، ولكنك تحامي على عهدك، وتبقي على ولايتك. فقال مروان: والله لصلاحكم في فساد عهدي أحبّ إليّ من فسادكم في صلاح عهدي، فادخلوا على الرجل فكلموه بملء أفواهكم، فإنه حليم أديب أريب. فانطلق القوم بجماعتهم، وتخلّف عنهم مروان. فذهبوا حتى استأذنوا على معاوية، فلما أخبره الآذن بمكانهم قال له: أحبسهم بين البابين، وأرسل إلى قوّاد أهل الشأم ورؤسائهم، فجمعهم عنده، وأفام الرجال بين يديه بالأعمدة والسيوف، ثم أذن لهم، فلما دخلوا عليه سلّموا، فأحسن الردّ عليهم، ثم قال: قرّب الله الديار، وأدنى المزار، ما لذي أقدمكم؟ أزيارة فتحظى؟ أم سخط فيرضى؟ أم حاجة فتقضى؟ قالوا: لكلّ جئنا يا أمير المؤمنين.

قال: تكلموا، فسكت القوم، ومثل عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين، أتتك عصبة من فصيلتك، وآخرون من أسرتك وعشيرتك، كلهم عارف بفضلك، راع لحقك، ناشر لشكرك: في أمر قبره خير من نشره، وإماتته خير من ذكره، جئناك لأمر عجزت عن حمله الجنوب، وضاقت الصدور والقلوب، وكرهنا أن لا نذكره لك فينبت في صدورنا، ولا يحصد لزمانه، ولا يصيره لإبّانه، وهي المصيبة الخطرة، واللّأواء المبيرة، واعلم أنّا لم نأتك تجرّما ولا تعيّثا ولا بطرا، فإن تأذن تكلّمنا، وإن تأب سكتنا. قال: هات، لله أنت! قال: يا أمير المؤمنين، إنّ أميّة بن عبد شمس ولد عشرة ذكور: حربا وأبا حرب، وسفيان وأبا سفيان والعاص وأبا العاص، والعيص وأبا العيص، ولم يلد عبيد عبد ثقيف ولا العاص بن وائل، وإنك قد جعلت عمروا وزيادا شعارك دون دثارك، ونفسك التي بين جنبيك، ثم لم ترض لابن عبيد حتى نسبته إلى أبيك، عضيهة لأبيك، وإزراء ببنيك، مع ما في ذلك من السّخط لربّك، والمخالفة لنبيك صلّى الله عليه وسلم، إذ قضى: أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر، فقضيت الولد للعاهر وللفراش الحجر، فرفعت أمرا كان حقيرا، وشهرت أمرا كان خاملا صغيرا، تريد أن تدخله على حرمك ونسائك، ثم أنشأ يقول:

أترضى يا معاوية بن حرب ... بأن تعطي حراثمك العبيدا

كأنّي والّذي أصبحت عبدا ... له بالقوم قد شكروا يزيدا

فإن ترجع فقد لقّيت رشدا ... وإن تجمع فلم تطع الرّشيد

فأما عمرو بن العاص فقد الزمت نفسك الحاجة إليه، وألزم نفسه الغناء عنك، وايم الله لنحن أنصح جيوبا وأوجب حقّا وأمسّ رحما، وما من أمر يبلغه عمرو فنعجز عنه لتقصير بنا ولا وهن منا، لكنك رفعت المرء فوق قدره، حتى طمح بفخره، وزخر ببحره، فصار كأنّه شيء وليس بشيء، وإنّ مثلنا ومثلك كما قال الأوّل:

من النّاس من يصل الأبعدين ... ويشقى به الأقرب الأقرب

قال: ثم إنّ مروان أدركه تذمّم من تخلّفه عن القوم، فلحق بهم عند انقضاء كلام أخيه، فلما رآه معاوية قال: إيه يا مروان! عن رأيك صدر القوم حتى أسمعوني ما سمعت؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ لنا ولك مثلا. قال: هات خطّط كخطط أخيك. قال: يا أمير المؤمنين، إنّ عديّ بن زيد العباديّ لمّا حبسه النعمان بن المنذر في السجن قال:

أبا منذر جازيت بالودّ سخطة ... فماذا جزاء المبغض المتبغّض

فجازيته في ذا المثال كرامة ... ولست لشيء بعد بالمتعرّض

فإنّا والله يا أمير المؤمنين غير عائدين لشيء من معاتبتك في هذا الأمر، فإن تراجع قبلنا، وإن تأب أمسكنا، مع أنك لو قدرت تتكثّر بالزّنج على آل أبي العاص لفعلت، تكرّها لجلد فيهم، وتبرما بمدّتهم، وايم الله ما هذا جزاؤهم منك، لقد آثروك وواسوك، فما جازيت ولا كافأت. فقام معاوية مغضبا، وقال للحرس: شدّوا أيديكم بالقوم. ثم دخل، وأجلسوا طويلا حتى ساء ظنّهم، ثم خرج مقطّبا بين عينيه، فجلس على سريره، وأقبل بوجهه، وتمثل بأبيات:

لدي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصاء ... وما علم الإنسان إلّا ليعلما

ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما

وما كنت إلّا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما

يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدّما

فلمّا استقاد الكفّ بالكفّ لم يجد ... له دركا في أن تبينا فأحجما

فأطرق إطراق الشّجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشّجاع لصمّما

ثم قال: هذا الذي حجزني عنكم، وايم الله، لقد قطعتم من زياد رحما قريبة واشجة، وقلتم عليه البهتان بغير تثبّت ولا بيان، ولقد وضع الله ما كان في الجاهلية من سفك الدماء، والشرك بربّ السماء، فذلك أعظم ممّا كان فيه أبو سفيان، وايم الله، ما الله راقبتم، ولا لي نظرتم، بل أدرككم الحسد في القديم لبني حرب، ولئن عدتم لشيء مما أرى، أو أتاني عنكم من ورا ورا: لأنهلنّكم صبرا، ولأعلّنّكم علقما، حتّى تعلموا في طول حلمي أن قد منيتم بمن إن حزّ قطع، وإن همز أوجع، وإن هم فجع، ثم لا تقال لكم العثرات، ويستصعب عليكم منّي ما كان وطيّا.

ويتوغّر عليكم ما كان سهلا، فأمّا قولكم: إنّي أصبت السلطان بسببكم:

فقد علمتم يا آل العاص أنّ عثمان قتل وأنا غائب وأنتم حضور، فما كان فيكم من مدّ ذراعا، ولا أشال باعا، أسلمتموه للحتوف، وغمدتم بعده السيوف، فما نصرتموه ولا منعتموه بأكثر من الكلام، وكان سبب ما ألب عليه الناس وأجلبوا ما كان من إيثاره إيّاكم بالفيء والقسم، وفي ذلك قطعت أوداجه، وسفك دمه على أثباجه، واستحلّت حرمته، ونكثت بيعته، فما شببتم نارا، ولا طلبتم ثأرا، حتى كنت أنا المطالب بالثأر، والمثكّل للأمّهات، ولقد منيت في الطلب بدمه بحرب امرئ لا يغيض بحره، ولا يذلّ نحره، من إن قرعته لم يفزع، وإن أطمعته لم يطمع: من لا تخور قناته، ولا تصدع صفاته: من لا يطعن في قرابته وفهمه وعلمه وسابقته ومبين بلائه. وإنّي كالحيّة الصّماء لا يبلّ سليمها، ولا ينام كليمها، وإنّي للمرء إن همزت كسرت، وإن كويت أنضجت، فمن شاء فليشاور، ومن شاء فليؤامر، مع أنهم لو عاينوا من يوم الهرير ما عاينت، أو ولوا

منه ما وليت، إذ شدّ علينا أبو حسن في كتائبه، وعن يمينه وشماله أهل البصائر، وكرام العشائر، فهناك شخصت الأبصار، وارتفع الشرار وقارعت الأمّهات عن ثكلها، وذهلت عن حملها، واحمرّت الحدق، واغبرّ الأفق، وألجم العرق، وسال العلق، وثار القتام، وصبر الكرام، وحام اللئام، وحضر الفراق، وأزبدت الاشداق، وقامت الحرب على ساق، وتضاربت الرجال بنصالها، بعد يأس من مآلها، وتقصّف من رماحها، فلا نسمع إلّا التّغمغم من الرجال، والتّحمحم من الخيول، ووقع السيوف كأنّه دقّ غاسل خشبته على منصبته، فكان ذلك دأبنا يومنا حتى رهقنا الليل بغسقه، ثم انبلج الصبح بفلقه، فلم يبق من القتال إلّا الهرير والزّئير. فقال عمرو ابن العاص: أما والله لو شهدتم ذلك اليوم لعلمتم أنّي أحسن بلاء، وأصبر في اللّأواء، وإني وإياكم لكما قال الأوّل:

وأعرض عن أشياء لو شئت قلتها ... ولو قلتها لم أبق للصلح موضعا

فان كان أمير المؤمنين صيّرني شعاره دون دثاره فقد أوليته ذلك من نفسي، وقد عجمني وسبرني فوجدني وفيّا شكورا، إذ لم تشكروه ولا أنتم معه، وقد طلبنا بدم أمير المؤمنين المقتول ظلما إذا لم تطلبوه، وصبرنا لقراع الكتائب وظبات القواضب، وأنا أسألك يا أمير المؤمنين أن تغفر للقوم ما قالوا، وتتغمّد لهم ما نالوا، فإنهم غير عائدين إلى أمر تكرهه.

فقال معاوية: قد فعلت إن هم فعلوا. ثم نهض ونهض القوم، فلم يكن بينهم في هذا الأمر معاودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت