(فصل في حفظ التجارب وغلبة العادة من أقوال الحكماء)
قالت الحكماء: التجارب عقل ثان، ودليل هاد، وأدب للدهر. فافهم عن الأيّام أخبارها، فقد أوضحت لك آثارها، واتّعظ بما وعظك منها، وتأمّل ما ورد عليك من أحوالها تأمّل ذي فكرة منها فإن الفكرة تدرأ عنك عمى الغفلة، وتكشف لك عن مستخفيات الأمور.
وقالوا: الدهر أفصح المؤدّبين وكفاك من كل يوم خبر يورده عليك. وإنما الأيام مراقي الأدب، ودرجات إلى العلم الأكبر، فمن فهم عنها أورث زيادة، وسطع نور علمه، ولم يفتقر إلى غير نفسه، ولو صحب ذو الغفلة أيام الدنيا بعجائب ما تصرّفت به على القرون لم يزل جذعا في الغرّة، ومتدّلها فيما يحدث، لأن الغفلة ظلمة راكدة، والمعرفة مصباح الخلقة.
وقد قيل: إذا رأيت ذا العمر الطويل والسنّ القديم يكثر التعجّب مما يرى ويسمع: فذلك لقلة حفظة التجارب، ولسهوه عمّا مرّت به عليه الليالي.
وقالوا: الفهم خزانة العقل ونور يبصر به ما أمامه. وإنما نكص على عقبيه من خانه فهمه، وخذله عقله، وضيّع ما استودعته الأيّام، فكأنّه ابن يومه، أو نتيج ساعته.
وحسبك مؤدّبا لخصالك، ومثقّفا لعقلك: ما رأيته من غيرك: من حسن تغبط به، أو قبيح تذمّ عليه.
وقالوا: إن التّجارب عقل مستفاد، وأحر لكن يستعمل حمل النفس على العادة الفاضلة والأخلاق الكريمة، فقد رأينا كثيرا من الناس يعلم أن مذاهبه رديئة، وطرائفه غير مرضيّة، ولا تخفى عنه الطريقة المحمودة:
ويعسر عليه النزوع إليها، لتمكن العادة القديمة منهم، وإذا حملوا أنفسهم على تلك الحالات المحمودة تصنّعا أو حياء من الناس في الظاهر لم يعدموا أن يرجعوا إلى المذاهب الأولى المتمكنة فيهم للعادة.
وقد قيل:: نفسك تقتضيك ما عوّدتها من خير أو شرّ.
وقيل: لسانك يقتضيك ما عوّدته.
وأنشد:
عوّد لسانك قول الخير تحظ به ... إن اللّسان لما عوّدت معتاد
وقال الآخر:
ومن تحلّى بغير طبع ... يردّ قسرا إلى الطّبيعه
وقال آخر:
مت بداء الصّمت خي ... ر لك من داء الكلام
قال المتنبي:
ليت الحوادث باعتني الّذى أخذت ... منّي بحلمي الّذى أعطت وتجريبي
فما الحداثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشّبّان والشّعيب
وقال الوزير الكامل أبو القاسم بن المعرّي:
يا من غدا جبل الجوديّ يحجبه ... ليس التّذكّر عن قلبي بمحجوب
علّمتني الحزم لكن بعد مرجعه ... إنّ المصائب أثمان التجاريب