الصفحة 29 من 65

هذا القول وإيضاحه.

ولكن بقي أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقًا لزم ألا يستوي مجاهد وقاعد مطلقًا، فلا يبقى في تقييد القاعدين بكونهم من غير أولي الضرر فائدة، فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدون من أولي الضرر أيضًا، وأيضًا فإن القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولي الضرر، لا القاعدون الذين هم أولو الضرر، فإنهم لم يذكر حكمهم في الآية، بل استثناهم وبين أن التفضيل على غيرهم، فاللام في «القاعدين» للعهد، والمعهود هم غير أولي الضرر لا المضرورون، وأيضًا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا» [1] ، وقال - صلى الله عليه وسلم - «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا وهم معكم» قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر» [2] .

وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين عن الجهاد من غير أولي الضرر لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت عن حكمهم بطريق منطوقها، ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى: معذور من أهل الجهاد غلبه عذره وأقعده عنه ونيته جازمة لم يخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع؛ أن له مثل أجر المجاهد. وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية؛ وهذا لأن قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الصواب والعقاب منزلة الفاعل التام، كما دل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» [3] ، وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبي كبشة الأنماري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقي في ماله ربه ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأحسن المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته، وهما في الأجر سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو لا يتقي في ماله ربه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهذا بأسوأ المنازل عند الله، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الوزر سواء» [4] ، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن وزر الفاعل والناوي الذي ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواء؛ لأنه أتى بالنية ومقدوره التام، وكذلك أجر الفاعل والناوي الذي اقترن قوله بنيته، وكذلك المقتول الذي اقترن قوله بنيته، وكذلك المقتول الذي سل السيف وأراد به قتل أخيه المسلم فقتل نزل

(1) البخاري (2996) في الجهاد، وأبو داود (3091) في الجنائز.

(2) البخاري (4423) في المغازي، باب (81) .

(3) البخاري (7083) في الفتن، ومسلم (2888) في الفتن.

(4) الترمذي (2325) في الزهد، وقال: «حسن صحيح» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت