نعم انتقد النجديين بكلام مقتضب إمام أهل الحديث في عصرنا أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله، في بعض مجالسه الخاصة المسجلة على الأشرطة، و قال إنه لا يوافقهم على تضييق العذر بالجهل و توسيع تكفير الناس. و الألباني و أصحابه معروفون بتوسيع العذر بالجهل و التأويل، بل أكثر من ذلك لا يدخلون العمل في مسمى الإيمان، بل يجعلونه شرط كمال في الإيمان، و هذا معروف مشهور صنفت فيه مصنفات كثيرة و ردود بين الناس، لا حاجة لنا في ذكرها هنا.
و انتقاد الألباني لابن عبد الوهاب و أصحابه كان بسبب تمسكهم بمذهبهم الحنبلي، حتى إنه ليتهمهم بالتعصب للمذهب، و قد أشار لذلك تلميذه محمد عيد العباسي في «بدعة التعصب المذهبي» و أنكر عليهم قولتهم الشهيرة في نجد: «من حفظ «الزاد» حكم بين العباد» أي من حفظ متن «زاد المستقنع في اختصار المقنع» لشرف الدين موسى الحجاوي، رحمه الله تعالى، أمكنه أن يفتي و يقضي بين الناس.
و كذلك انتقد بعض النجديين في إنكارهم العذر بالجهل في أصول التوحيد أبو قتادة عمر بن محمود ابن عثمان، فرج الله عنا و عنه، في «الدورة الإيمانية» و عد كلامهم من كلام الخوارج لا من كلام أهل السنة. و قرأت أن له كتابًا في الموضوع، لكني لم أقف عليه.
و بما أن هذا الفصل هو لب القضية المسؤول عنها فسنفصل فيه شيئًا ما، فإن كل ما ذكرته آنفًا ما هو إلا تمهيد لهذا الفصل. و أنا أعلم أن العديد من الناس قد يغضبون من كلامي، و قد لا يعجبهم بحثي. لكني بحمد الله تعلمت من آبائي التجرد للحق و اتباع الدليل، لا التعصب للرجال و الأسماء.
روى الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» و عنه الحافظ أبو بكر بن نقطة في «التقييد» : أخبرني الأزهري، قال: أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن: قال: حدثنا أحمد بن مروان المالكي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: جاء أبو تراب النخشبي إلى أبي، قال: فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة. فقال أبو تراب: يا شيخ! لا تغتب العلماء. فالتفت إليه فقال له: ويحك! هذا نصيحة، ليس هذا غيبة. قلت: و نحن أيضًا نقول: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت و ما توفيقي إلا بالله} ، و قد قال الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: «لله و رسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم» .