فصل
و من أخطاء النجديين:
هذه المؤاخذة على النجديين هي نتيجة طبيعية لتضييقهم العذر بالجهل أو عدم قول بعضهم به، و قد تابعهم على ذلك كثير من المعاصرين، إما بتطبيق كلامهم على المتحاكمين للقوانين أو في مسائل الموالاة و المعاداة، و هم في ذلك على أصناف أيضًا و أشدهم غلوًّا من لا يعذرون بالجهل في أصول الدين و يحتجون بقول الله تعالى: {و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى، شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} ، و غير ذلك من الآيات التي تثبت الربوبية و تقيم الحجة على الناس بذلك. و هم بذلك يكفرون أُمَّة من الناس و لذلك يوصفون ب (التكفيريين) .
و قد رأيت لهم مصنفات في ذلك مثل «عقيدة الموحدين» للعبدلي و «آثار حجج الله على العباد» و «العذر بالجهل» لمدحت بن حسن الفراج و له كتاب كبير جمع فيه فتاوى النجديين في الأمور المعاصرة.
فهؤلاء مخالفون للسلف، أهل السنة و الجماعة، لما تقدم معنا من أنهم يعذرون بالجهل و التأويل و لو في أصل الدين. و قد قال تعالى: {و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . ثم نقول: هذا في الكافر الأصلي لا المسلم الجاهل أو المتأول، و من سوى بينهما فقد أخطأ خطأ فادحًا. و أهل السنة متفقون على أنه لا شرع قبل النصوص خلافًا للمعتزلة الذين يقولون إن التحسين و التقبيح بالعقل و إن الله يحاسب على ذلك و لو قبل نزول الشرع.
و نصوص القرآن و السنة يجب أن تفهم بما فهمها السلف و الأئمة لا بما يتراءى للمرء.
و طائفة أخرى من أهل السنة و الدعوة للجهاد و نصرة المسلمين يعذرون الناس في كثير من الأمور، لكنهم متأثرون بفتاوى النجديين في مسائل موالاة أعداء الله تعالى، و لا يفرقون بين الموالاة الكبرى التي تفضي إلى الخروج من الدين و هي ما يسمى عند المعاصرين ب (الخيانة العظمى) و ذلك بمظاهرة أعداء الله تعالى و مناصرتهم على أهل الإسلام قتلًا و إطفاءً لنور الله تعالى، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض و من يتولهم منكم فإنه منهم} ، فهذه في الموالاة الكبرى.
و بين الموالاة الصغرى كما جاء في «الصحيح» في قصة حاطب بن أبي بلتعة، رضي الله عنه، «لما أخبر المشركين بمسير النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كشف أمره: «ما هذا يا حاطب؟» قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت حليفًا من قريش و لم أكن من أنفسهم، و كان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم و أموالهم بمكة فأحببت إذ فاتني من النسب فيهم أن أصنع إليهم يدًا يحمون قرابتي. و ما فعلت ذلك كفرًا و لا ارتدادًا عن ديني» فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنه صدقكم» فقال عمر رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه،