فصل
تكلم النجديون كثيرًا في مسائل التوحيد العملي و التحذير من الشرك و نواقض الإسلام، و نبذ البدع. و هذه الأمور كانت أساس دعوتهم كلها.
غير أنه حصل لديهم تضخيم في ذلك الجانب على حساب جوانب أخرى مثل تنمية المحبة القلبية الوجدانية للحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - و معرفة حقوقه، و محبة آل بيته و احترامهم و معرفة حقهم.
و النجديون ما كانوا ينكرون شيئًا من ذلك. غير أن تحذيرهم الشديد من الغلو و إطراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و التحذير مما يفعله الناس عند قبره الشريف، نفسي فداه، و ما يكون في قصائد المديح النبوي من استغاثة و استشفاع، مع المبالغة في النهي عن التوسل بذاته الشريفة، و شد الرحال لزيارة القبر المبارك، و إقامة حفلات الموالد و ما إلى ذلك، أضف إليه الحرب الطاحنة التي قامت بين النجديين و بين أشراف الحجاز، و تحذيرهم من الاعتماد على الأنساب دون الأعمال.
كل ذلك لم يقابل بمنهج علمي سني منضبط يعوض عما يستنكرونه، فتولد عن ذلك نقص في هذا الجانب، بل جفاء عند كثير من عوامهم، فإذا سمعوا شعرًا في المديح النبوي خافوا من الشرك، و إذا سمعوا كثرة الصلاة و السلام علية حذروا من الغلو، و إذا تكلمت عن فضائل آل البيت توجسوا خيفة من التشيع، و إذا جاءت ذكرى مولده الشريف حذروا من بدع الموالد.
و الحق، أنه من الخطأ تعلم العقيدة الصافية عن طريق الرد على المخالف، لأن المتلقي لا يأخذها بصفائها. و قد أحسن علامة عسير حافظ بن أحمد الحكمي، رحمه الله تعالى، لما صنف «أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة» دون رد على المبتدعة، فكان من أنفع ما يدرسه المبتدئ.
و قلما نجت دعوة من الدعوات من تضخيم جانب في الدين على حساب جانب آخر. و قد جاء في الأثر «إن هذا الدين لا يقوم به إلا من أخذه من جميع أطرافه» .
قال أبو محمد: قد أدرك هذا كثير من علماء نجد اليوم و كتبوا العديد من الكتب في معالجة هذه الأمور و التذكير بحقوق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، و ما كان عليه السلف الصالح في هذا الباب، و نبهوا لما نبهت إليه، جزاهم الله كل خير.