فصل
عرف عن النجديين الغلظة و الشدة على مخالفيهم، و هذا أمر غير مستغرب بعدما ذكرناه من تكفيرهم للمخالفين ممن يعظمون القبور و يجيزون الاستغاثة بأصحابها، و ممن والاهم، و سل السيوف عليهم، فإن من فعل ذلك لن يكون لينًا في كتبه و ردوده على المخالف.
على أن المخالفين أيضًا لم يقصروا في الشدة و الغلظة للنجديين تكفيرًا و تضليلًا و تبديعًا و تحريضًا للدولة عليهم. و الكتب التي صنفت في هذا معروفة لمن أرادها، و قد جمع أسماء جملة منها أبو عبيدة مشهور بن حسن السلمان في كتابه «كتب حذر منها العلماء» مع أنه من كبار أصحاب الناصر الألباني في الأردن، و هو لا يوافق النجديين على التكفير و سل السيوف و الخروج على السلطان!
و إنصافًا للحق، فإن الشدة و الغلظة على المبتدعة و المنحرفين عن السنة أمر قديم. و كتب السلف و أئمة السنة ملأى من ذلك، و هو أمر أوجبه الغيرة على الدين و الغضب عند انتهاك حرماته. لكن السلف اشتدوا على مبتدعة انحرفوا عن الجماعة، إذ كانت السنة ظاهرة مبينة و البدعة مقموعة منبوذة، بخلاف الحال زمن النجديين حيث كان العكس. و قد قال تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - و هو يدعو مشركين حقيقيين و كفارًا أصليين: {ادع إلى سبيل ربك بالموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن} و قال سبحانه: {فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك} .
أما الجهل بالواقع فكان حالة غالبة على جل النجديين. إذ ما كانوا يخرجون في معارفهم عما يقرأونه من كتبهم الدينية التي كانت هي نفسها محدودة.
و لذلك كان كثير منهم ينكرون كروية الأرض أو دورانها حول الشمس أو ما إلى ذلك، كما ذكرت لك عن ذلك الشيخ الذي أنكر على تقي الدين الهلالي تقريره لكروية الأرض في درسه بالمسجد النبوي صلى الله على صاحبه و آله و سلم. و ذكر أبو زهرة و غيره أن الملك عبد العزيز كان يجد منهم معارضة لكثير من مشاريعه التحديثية، فلم يكن يبالي بهم.
و أخطر من هذا كله هو عدم علمهم بمكايد الأعداء المحتلين لديار الإسلام من بريطانيين و فرنسيين و غيرهم و تلخيص أهدافهم كلها في محاربة القبورية و بدع الصوفية، فسهل على الأعداء تمرير خططهم في غفلة من النجديين الذين لا نجد لهم أي كلام في محاربة المحتلين ومواجهتهم.
بل قد كانت جميع سواحل الجزيرة العربية محتلة من قبل الإنجليز البريطانيين و كذلك بلاد العراق و الشام و هم منشغلون في معاركهم ضد «مشركي» الحجاز و الإحساء و غيرها!