فصل
الأصل في كل دعوة سنية تريد تجديد الدين و مكن الله لها في الأرض أن ترجع نظام الحكم للشورى كما كان عليه الخلفاء الراشدون و الأئمة المهديون، رضي الله عنهم، قبل الانقلاب الأموي.
و ذلك لأن العلماء ما قبلوا بالنظام الوراثي إلا هروبًا من الفتن و من باب أخف الشرين، كما هو مقرر في كتب «الأحكام السلطانية» و في كلامهم عن الإمارة و السياسة الشرعية.
أما النجديون فقد أسسوا نظامًا ثوريًا مسلحًا جديدًا قائمًا على تجريد التوحيد و العمل بالسنة و إحياء شريعة الإسلام و تجديد الدين.
و قد كان الأمراء المتقدمون يلقبون ب (الإمام) ، و قد أنكر ذلك بعض النجديين كالإمام عبد الله أبا بطين، رحمه الله، و قال إن هذا لقب الخلفاء و من شرطهم النسب القرشي، و آل سعود ليسوا كذلك، و اختار أن يلقبوا ب (الأمير) . و أول من تلقب ب (الملك) عبد العزيز بن عبد الرحمن، والد الملوك الحاليين.
و كان لأئمة الدعوة النجدية سلطة كبيرة و هيبة على الملوك فمن دونهم، لكن أمرهم تغير شيئًا فشيئًا مع طول الأمد و كثرة الأمراء و سيطرتهم الكبيرة، و سكوت العلماء عن إنكار كثير من المنكرات، بل أصبح كثير منهم يمشي في هوى السلطان و في الحديث: «من أتى أبواب السلاطين افتتن» . نسأل الله العصمة من ذلك.
قال أبو محمد: و العذر للإمام ابن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، واضح، فإن أي ملك لا يقوم إلا بشوكة تحميه كما قرر ذلك ابن خلدون في «مقدمة تاريخه» ، و شوكة الدعوة النجدية هم آل سعود، و بهم قامت سوق الدعوة و قاتلوا نصرة لها و لملكهم كذلك. و الله الموفق.
وبَعد، فلست ممن يقلل من قيمة الدعوة النجدية و لا علمائها الأجلاء، رحمهم الله تعالى، بل هي تجربة تجديدية ناجحة، كان لها تأثير كبير جدًّا في إحياء منهاج السَّلف أئمة السنة و قادة الجماعة، و بعث طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية من جديد.
و لئن كان للمتقدين أخطاء، فقد عمل المتأخرون على تفاديها، و لا شك أن الفضل دومًا للمتقدم.