فصل
في موقف العلماء من الحركة النجدية
انقسم علماء القرن الثاني عشر وما بعده في مواقفهم من الحركة النجدية إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الرفض التام للدعوة والحركة، واتهام أصحابها بأنهم خوارج ضلال مجرمون يجب القضاء عليهم.
وكان هذا موقف أغلب علماء ذلك الوقت من سائر المذاهب.
الثاني: الموافقة على الدعوة في الجملة، ومخالفة الحركة وسياستها، أو بعض ذلك.
وهذا كان حال جماعة من أهل السنة والأثر، ومن دعاة تجريد التوحيد، لكنهم كانوا تابعين للعثمانيين معظمين لهم، يرون أنهم خلفاء المسلمين وأمراء المؤمنين.
الثالث: الموافقة والتأييد للدعوة وللحركة، وهذا كان حال بعض علماء الأحساء، وكثير من علماء عسير، وغير ذلك، على قلة بين الناس، والعديد من أهل الحديث في الهند.
ولنفصل القول في كل طائفة، ونذكر وجهة نظرها، ففي ذلك فوائد فريدة، لعلي لم أرها قط مجموعة في كتاب، و الله المؤيد.
أولًا: أعداء الحركة و الدعوة النجدية:
هذا كان حال جل علماء الوقت من الأحناف و الشافعية و المالكية و الحنابلة فضلا عن الزيدية و غيرهم من أهل البدع.
و السبب في هذا ديني و سياسي، خلافًا لما قاله محمد بن الحسن الحجوي، رحمه الله تعالى، في «الفكر السامي» فإنه ذكر أن السبب سياسي فقط.
و الحق أنه ديني و سياسي، فإن أغلب علماء ذلك الوقت كانوا أشاعرة و ماتريدية، و كانوا في السلوك صوفية يقولون بجميع ما علق بالتصوف عند المتأخرين من مظاهر الغلو عند قبور الأنبياء و الصالحين، و سائر البدع الأخرى التي عض عليها المتأخرون بالنواجذ. و الدعوة النجدية حاربت تلك المظاهر بشدة دون هوادة، بل جاهرت بتكفير المستغيثين بغير الله تعالى و استحلت دماءهم و دماء كل من والاهم أو دافع عنهم أو ركن إليهم. و حكمت على عساكرهم و قراهم بالردة و الكفر، فغنمت أموالهم و سبت ذراريهم. فلا جرم أن نرى علماء ذلك الوقت يتهمونهم بالخارجية و المروق من الدين، كما فعل إمام الأحناف في وقته ابن عابدين، رحمه الله، فإنه ذكر النجديين في فصل الخوارج من حاشيته الشهيرة المسماة «رد المحتار على الدر المختار» .