و أعظم من ذلك أم ملكهم عبد العزيز كان يخطط مع الإنجليز و هم في غفلة عن ذلك، حتى إن جميل صدقي الزهاوي العراقي لما عيَّر النجديين بذلك كتب ابن سحمان في «الضياء الشارق» يرد عليه و ينكر أن يكون في بلدهم راية غير راية التوحيد أو سفارة تحمل علم الأجانب، مع أن (جون فيلبي) البريطاني مبعوث استخباراتهم، ما كان يفارق الملك عبد العزيز.
و لما اكتشف جيش الدعوة النجدية «إخوان من أطاع الله» ذلك عقدوا اجتماعًا في الأرطاوية شهيرًا أعلنوا فيه كفر عبد العزيز لموالاته للكفار الإنجليز و إيقافه للجهاد، فإنه منعهم من القتال في الكويت و العراق، لأن فيها الإنجليز و هم رسموا الحدود هناك فلا مجال لمجاوزتها.
فما كان من عبد العزيز إلا أن استخرج فتوى من أئمة الدعوة النجدية إذاك سنة 1349 هـ فأعلنوا أن (الإخوان) بغاة على ولي الأمر و أن له أن يقاتلهم، فقاتل كل قبيلة بأبناء عمها، و أغار عليهم بطائرات الإنجليز!!
لقد كان عند (الإخوان) حماس عجيب و صدق واضح، لكنهم كانوا غلاة متشددين مع عدم معرفة بالواقع، و كذلك كان العديد من علمائهم أيضًا، فاستخدم المسلحون لبناء الدولة، ثم استخدم العلماء لتقليم أظافر المسلحين. و الأمر لله من قبل و من بعد.
و قد استخدم العلماء بعد ذلك في مواقف سياسية عديدة للمملكة السعودية، دون إحاطتهم بحقيقة الموضوع، و من أشهرها حرب الخليج و الاستعانة بالمحتل الأمريكي سنة 1410 هـ.
قال أبو محمد: و قد تغير الأمر كثيرًا من هذا، بل إن الدعوة النجدية التاريخية انتهت بعد تأسيس المملكة العربية السعودية سنة 1350 هـ و في السنوات الأخيرة برز جيل جديد من حملة السنة و علمائها الصادقين المعتدلين، الذين هم بحق مفخرة لأهل السنة و الجماعة، بل للإسلام و المسلمين بعامة. و هذا مصداق ما قاله الجمال القاسمي، رحمه الله تعالى، فيما نقل عنه ولده ظافر في سيرته من أن الدعوات تبدأ ثائرة هائجة ثم لا تلبث أن تفئ إلى الاعتدال و الحكمة.