فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 311

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ:"لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ". (أخرجه البخاري ومسلم) [1] .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبًا مِنْ ثَلاَثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ» . (أخرجه البخاري) [2] .

(1) - صحيح البخاري (4/ 42) (2926) وصحيح مسلم (4/ 2238) : 79 - (2921)

(لا تقوم الساعة) المراد تأكيد أن هذا الأمر واقع لا محالة وربما كان قريبا وليس المراد أنه من علامات

قيام الساعة والساعة القيامة وزلازلها

(2) - صحيح البخاري (4/ 200) (3609)

قَوله:"فِئَتانِ"، بِكَسرِ الفاء بَعدها هَمزَة مَفتُوحَة تَثنِيَة فِئَة أَي جَماعَة، ووصَفَهُما فِي الرِّوايَة الأُخرَى تَجَوَّزَ أَي بِالكَثرَةِ، والمُراد بِهِما مَن كانَ مَعَ عَلِيّ ومُعاوِيَة لَمّا تَحارَبا بِصِفِّينَ.

وقَولُه:"دَعواهُما واحِدَة"؛ أَي دِينهما واحِد لأَنَّ كُلًّا مِنهُما كانَ يَتَسَمَّى بِالإِسلامِ، أَو المُراد أَنَّ كُلًّا مِنهُما كانَ يَدَّعِي أَنَّهُ المُحِقّ، وذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا كانَ إِذ ذاكَ إِمام المُسلِمِينَ وأَفضَلهم يَومَئِذٍ بِاتِّفاقِ أَهل السُّنَّة، ولأَنَّ أَهل الحَلّ والعَقد بايَعُوهُ بَعد قَتل عُثمان، وتَخَلَّفَ عَن بَيعَته مُعاوِيَة فِي أَهل الشّام. ثُمَّ خَرَجَ طَلحَة والزُّبَير ومَعَهُما عائِشَة إِلَى العِراق فَدَعَوا النّاس إِلَى طَلَب قَتَلَة عُثمان لأَنَّ الكَثِير مِنهُم انضَمُّوا إِلَى عَسكَر عَلِيّ، فَخَرَجَ عَلِيّ إِلَيهِم فَراسَلُوهُ فِي ذَلِكَ فَأَبَى أَن يَدفَعهُم إِلَيهِم إِلاَّ بَعد قِيام دَعوى مِن ولِيّ الدَّم وثُبُوت ذَلِكَ عَلَى مَن باشَرَهُ بِنَفسِهِ، ورَحَلَ عَلِيّ بِالعَسكَرِ طالِبًا الشّام، داعِيًا لَهُم إِلَى الدُّخُول فِي طاعَته، مُجِيبًا لَهُم عَن شُبَههم فِي قَتَلَة عُثمان بِما تَقَدَّمَ، فَرَحَلَ مُعاوِيَة بِأَهلِ الشّام فالتَقَوا بِصِفِّينَ بَين الشّام والعِراق فَكانَت بَينهم مَقتَلَة عَظِيمَة كَما أَخبَرَ بِهِ - صلى الله عليه وسلم -، وآلَ الأَمر بِمُعاوِيَةَ ومَن مَعَهُ عِند ظُهُور عَلِيّ عَلَيهِم إِلَى طَلَب التَّحكِيم، ثُمَّ رَجَعَ عَلِيّ إِلَى العِراق، فَخَرَجَت عَلَيهِ الحَرُورِيَّة فَقَتَلَهُم بِالنَّهرَوان وماتَ بَعد ذَلِكَ. وخَرَجَ ابنه الحَسَن بن عَلِيّ بَعده بِالعَساكِرِ لِقِتالِ أَهل الشّام وخَرَجَ إِلَيهِ مُعاوِيَة فَوقَعَ بَينهم الصُّلح كَما أَخبَرَ بِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَدِيث أَبِي بَكرَة الآتِي فِي الفِتَن"إِنَّ الله يُصلِح بِهِ بَين فِئَتَينِ مِنَ المُسلِمِينَ"

قَوله:"حَتَّى يُبعَث"؛ بِضَمِّ أَوَّله أَي يَخرُج، ولَيسَ المُراد بِالبَعثِ مَعنَى الإِرسال المُقارِن لِلنُّبُوَّةِ، بَل هُو كَقَولِهِ تَعالَى: إِنّا أَرسَلنا الشَّياطِين عَلَى الكافِرِينَ. قَوله:"دَجّالُونَ كَذّابُونَ"الدَّجل التَّغطِيَة والتَّموِيه، ويُطلَق عَلَى الكَذِب أَيضًا، فَعَلَى هَذا"كَذّابُونَ"تَأكِيد. وقَولُه:"قَرِيبًا مِن ثَلاثِينَ"، كَذا وقَعَ بِالنَّصبِ وهُو عَلَى الحال مِنَ النَّكِرَة المَوصُوفَة.

وقَد أَخرَجَ مُسلِم مِن حَدِيث جابِر بن سَمُرَة الجَزم بِالعَدَدِ المَذكُور بِلَفظِ"إِنَّ بَين يَدَي السّاعَة ثَلاثِينَ كَذّابًا رِجالًا كُلّهم يَزعُم أَنَّهُ نَبِيّ. ورَوى أَبُو يَعلَى بِإِسنادٍ حَسَن عَن عَبد الله بن الزُّبَير تَسمِيَة بَعض الكَذّابِينَ المَذكُورِينَ بِلَفظِ"لا تَقُوم السّاعَة حَتَّى يَخرُج ثَلاثُونَ كَذّابًا مِنهُم مُسَيلِمَة والعَنسِيّ والمُختار. قُلت: وقَد ظَهَرَ مِصداق ذَلِكَ فِي آخِر زَمَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فَخَرَجَ مُسَيلِمَة بِاليَمامَةِ، والأَسود العَنسِي بِاليَمَنِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي خِلافَة أَبِي بَكر طُلَيحَة بن خُويلِد فِي بَنِي أَسَد بن خُزَيمَةَ، وسِجاح التَّمِيمِيَّة فِي بَنِي تَمِيم، وفِيها يَقُول شَبِيب بن رِبعِيّ وكانَ مُؤَدِّبها:

أَضحَت نَبِيَّتنا أُنثَى نُطِيف بِها ... وأَصبَحَت أَنبِياء النّاس ذُكرانًا

وقُتِلَ الأَسود قَبل أَن يَمُوت النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وقُتِلَ مُسَيلِمَة فِي خِلافَة أَبِي بَكر، وتابَ طُلَيحَة وماتَ عَلَى الإِسلام عَلَى الصَّحِيح فِي خِلافَة عُمَر. فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (6/ 616) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت