فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 311

المنسَّقَ، وقدَّر كلَّ شيءٍ فيه تقديرا، وأنَّ هذا الإلهَ ليسَ له شريكٌ ولا شبيهٌ ولا صاحبةٌ ولا ولدٌ.

فهذا الوضوحُ يناسبُ العقلَ السليمَ، لأنَّ العقلَ- دائمًا -يطلبُ الترابطَ والوحدة َعندَ التنوعِ والكثرةِ، ويريدُ أنْ يُرجعَ الأشياءَ المختلفةَ إلى سبب ٍواحدٍ. وكما أنَّ العقيدةَ الإسلاميةَ واضحةٌ، فهي كذلك لا تدعوا إلى الاتباعِ الأعمَى، بل على العكسِ فإنها تدعوا إلى التبصُّر والتعقُّلِ، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوإِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (108) سورة يوسف، ولأنَّ العقيدة َمما تحارُ العقولُ المجردةُ فيها، ولا تصلُ إلى إدراكِها إلا منْ طريقِ الشارعِ الحكيمِ، فقد رجعَ كثيرٌ من الفلاسفةِ وأهلِ الكلامِ من المسلمينَ عن مناهجِهم العقليةِ المجردةِ إلى منهجِ الكتابِ والسُّنةِ، ومن هؤلاءِ الفخرُ الرازيُّ- وهومنْ كبارِ الفلاسفةِ المسلمينَ- إذ يقولُ بعد عمرٍ طويلٍ في البحثِ العقليِّ:

نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ ... ... وَغَايَةُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ

وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذَى وَوَبَالُ

وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ: قِيلَ وَقَالُوا

فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مِنْ رِجَالٍ وَدَوْلَةٍ ... فَبَادُوا جَمِيعًا مُسْرِعِينَ وَزَالُوا

وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا ... رِجَالٌ، فَزَالُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ

لَقَدْ تَأَمَّلْتُ الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ، وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ، فَمَا رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلًا، وَلَا تُرْوِي غَلِيلًا، وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ، اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] وَاقْرَأْ فِي النَّفْيِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] ثُمَّ قَالَ:"وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي" [1] .

(1) - شرح الطحاوية في العقيدة السلفية - (ج 1 / ص 482) ومنهاج السنة النبوية - (ج 5 / ص 190) ودرء التعارض - (ج 1 / ص 89) وسير أعلام النبلاء - (ج 21 / ص 501)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت