الصفحة 102 من 237

واعلم أن الإيمان وإن قيل: هو التصديق، فالقلب يصدق بالحق، والقول يصدق ما في القلب، والعمل يصدق القول. والتكذيب بالقول مستلزم للتكذيب بالقلب، ورافع للتصديق الذي كان في القلب، إذ أعمال الجوارح تؤثر في القلب كما أن أعمال القلب تؤثر في الجوارح، فإن ما قام به كفر تعدى حكمه إلى الآخر. والكلام في هذا واسع وإنما نبهنا على هذه المقدمة"اهـ [1] ."

ونحب في ختام هذا الفصل أن نؤكد على نقطة هامة، وهي أن كلامنا هنا إنما هو على"حقيقة الإيمان"وعن مدى ارتباط ظاهر المرء بباطنه في التعبير عن هذه الحقيقة.

وأما عن"ضوابط إجراء الأحكام"كالفرق بين العموم والتعيين، وثبوت الشروط وانتفاء الموانع، وتعارض الأصل مع الظاهر، وما يستتبعه من معاملات شرعية، فمجال ذلك كله هو كتب الفقه والقواعد خارج نطاق هذا البحث. وأما ما نقرره هنا من حقائق فيأتي بعد ذلك كله، أي بعد ثبوت الظاهر ثبوتًا لا مجال لدفعه عن النفس، أي بعد استيفاء كافة الضوابط الشرعية المطلوبة والمقررة في كتب الفقه، فإذا ما ثبت الظاهر بهذه الصورة، أصبح -عند أهل السنة- انعكاسًا مباشرًا للباطن لا يتخلف أحدهما عن الآخر ولا يضاده.

وأما عن"أحكام الآخرة"فهذا لا شأن لنا به، وإنما حساب ذلك عند الله وحده، فكون المرء يظهر الإيمان ويبطن الكفر حتى يموت على ذلك دون أن يكشف أمره لنا، أو كونه يظهر الكفر ويبطن الإيمان لموانع شرعية لا تظهر لنا، وغير ذلك مثل أن يختم الله لعبد ما بتوبة لم نطلع عليها -مما لا يعلمه إلا الله وحده- فهذا مما لا إحاطة لنا به في مجال طاقتنا البشرية عقلًا وشرعًا، وهذا مما لايظهره الله إلا في الآخرة، ولذلك كان من عقائد أهل السنة والجماعة أنهم لا يحكمون لمعين بجنة أو بنار، إلا بدليل خاص من قرآن وسنة [2] .

(1) الصارم المسلول، ص523 - 525.

(2) دون أن يقدح ذلك في قاعدة إجراء الأحكام في الدنيا على مقتضى الظواهر، فحقائق الشرع والعقل ومصالح الدنيا والآخرة تؤكد ذلك في نطاق قدرة المخلوق وعلمه، ثم تترك ما وراء ذلك لقدرة الخالق وعلمه وحكمته جلت قدرته وعظمته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت