الصفحة 156 من 237

الفصل الحادي عشر

الاستثناء في الإيمان

ذهب جمهور السلف والأئمة إلى جواز الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله. وقد جوزوا ذلك على أساس عدة اعتبارات أساسية:

الاعتبار الأول:

أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وأن الإيمان المطلق صفة لا تطلق إلا على من فعل المأمورات كلها وترك المحرمات كلها، أو زاد على ذلك، فمن جزم لنفسه بالإيمان هنا فكأنما جزم لنفسه بكمال الإيمان وضمن لنفسه دخول الجنة ابتداء، وهذا من التألي على الله -عز وجل- ومن التزكية للنفس بغير علم.

الاعتبار الثاني:

أن الاستثناء جائز حتى في الأمور التي لا يشك فيها، بل فيما يعلم وجوده يقينًا، وقد جاءت السنة بالاستثناء في ذلك لما فيه من الحكمة وتعليق الأمر كله بمشيئة الله تعالى.

الاعتبار الثالث:

أن العاقبة والموافاة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، والإيمان النافع هو الذي يموت المرء عليه، فالاستثناء هنا معناه عدم العلم بالخاتمة.

يقول ابن تيمية:"وأما الاستثناء في الإيمان يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله. فالناس فيه على ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، وهذا أصح الأقوال [1] ."

فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم، ممن يجعل الإيمان شيئًا واحدًا يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه، فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني قرأت الفاتحة، وكما أعلم أني أحب

(1) وهو أن يستثنى على أحد الاعتبارات الثلاثة المذكورة، ولا يستثنى على اعتبار يقينه من تحقق أصل الإيمان في قلبه مما هو مأمور به وما هو واجب عليه من الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت