الفصل العاشر
الإيمان والإسلام
تختلف معاني لفظي"الإيمان"و"الإسلام"ما بين لغة العرب ولسان الشرع، وما بين الأفراد والاقتران، بحيث يحمل كل لفظ منها في كل موضع من هذه المواضع معنى يختلف قليلًا أو كثيرًا عن المعنى الذي يحمله نفس اللفظ في موضع آخر [1] .
* الأصل اللغوي للإيمان والإسلام في لغة العرب وفي المصطلح الشرعي:
أما عن أصل معنى هاتين الكلمتين في لغة العرب ومدى استخدام لسان الشرع للمعنى اللغوي بتصرف أو بدون تصرف فيقول الشيخ دراز:"إن الإيمان له في لغة العرب استعمالان، لأنه"تارة"يتعدى بنفسه فيكون معناه التأمين أي إعطاء الأمان، تقول: آمنت فلانًا إيمانًا، وأمنته تأمينًا، بمعنى واحد، قال تعالى: (وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) (قريش: 4) ."
ومنه اسم الله تعالى"المؤمن"لأنه أمن عباده من أن يظلمهم."وتارة"يتعدى بالباء أو اللام فيكون معناه التصديق، (قُولُوا آمَنَّا) (البقرة: 136) و (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ) (البقرة: 75) .
قال علماء الاشتقاق: وهذا المعنى الثاني راجع إلى الأول، لأن من صدقك فقد أمنك من التكذيب والمخالفة.
وكذلك الإسلام له في اللغة استعمالان .. يستعمل متعديا، فيكون معناه التسليم أي الإعطاء، تقول: أسلمت درهمًا في ثوب، أي أعطيت، وتقول: أسلمت فلانًا، إذا خذلته، كأنك سلمته لعدوه وتركته، وتقول: أسلمت أمري إلى الله، أي سلمته إليه."ويستعمل لازمًا"فيكون معناه الانقياد والدخول في السلم أي الاستسلام، كما أن الإصباح هو الدخول في الصباح، والإحرام هو الدخول في الحرمة.
أقول: ومعنى الإسلام لازمًا يرجع إلى معناه متعديًا، لأن من انقاد واستسلم للغير فقد سلم إليه نفسه وألقى إليه بمقاليده.
(1) راجع مناقشة ابن تيمية لهذا القول في الباب الأول من هذا البحث.