الصفحة 80 من 237

الفصل السادس

الكفر الأصغر

علمنا أن الإيمان عند السلف أصل وفروع، وأن النجاة لا تتحقق للعبد ولا يدخل في ملة الإسلام ابتداء ما لم يأت بأصل الإيمان أولًا، وأن فروع الإيمان لا تقبل منه إلا بعد أن يحقق هذا الأصل، ثم يأتي بالفروع بعد ذلك، من واجبات ومستحبات وترك المحرمات والمكروهات والمتشابهات، وأن لفظ الإيمان يطلق عند السلف على أصل الإيمان وعلى فروعه منفصلين أو مجتمعين.

فكذلك الكفر عند السلف يطلق على أصل الكفر وفروعه، فأصل الكفر عندهم هو ما يضاد أصل الإيمان ويسقطه، فيخرج بصاحبه عن ملة الإسلام. وأما فروع الكفر من كبائر وترك واجبات، فمن أتى بها ولكن معه أصل الإيمان لم ينقض، فهو باق في الملة الإسلامية طالما لم يأت بأصل الكفر.

فكما أن الكافر إذا ما أتى من فروع الإيمان مهما أتى فإن هذا لا يدخله في ملة الإسلام ما لم يأت بأصل الإيمان، فكذلك المسلم مهما أتى من فروع الكفر -والتي سماها الشارع أيضًا كفرًا- فإن هذا لا يخرجه عن ملة الإسلام ما لم يأت بأصل الكفر الذي يضاد أصل الإيمان وينقضه.

وكذلك ألفاظ الظلم والفسق والمعصية والنفاق والفساد وأمثالها، قد تطلق في نصوص الشارع ويراد بها الظلم والفسق والمعصية والنفاق والفساد الذي يخرج بصاحبه عن ملة الإسلام، لأنه ينقض ويضاد أصل الإيمان ويسقطه، وقد يقصد بها إتيان فرع من فروع الكفر دون أصله فلا يخرجه هذا عن ملة الإسلام، وهو ما أطلق عليه السلف (كفرًا دون كفر) و (ظلمًا دون ظلم) و (فسقًا دون فسق) و (نفاقًا دون نفااق) أو الكفر الأصغر والظلم الأصغر والفسق الأصغر والنفاق الأصغر.

وقد عرض الإمام محمد بن نصر المروزي -أحد أعلام أهل السنة والجماعة- نظرة أهل السنة إلى هذا الأمر بكلام غاية في الوضوح والتحديد، ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان، فنورده هنا ببعض التصرف.

يقول -رحمه الله- على لسان أهل السنة والجماعة:"فقالوا: الكفر ضد لأصل الإيمان، لأن للإيمان أصلا وفروعًا، فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر ..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت