الفصل الخامس
دركات الكفر
قررنا في الفصل الأول من هذا البحث أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يعلمون معاني الألفاظ الشرعية، كالإيمان والتوحيد والشرك والكفر والنفاق ونحوها، ليس بالنظر المجرد إلى ألفاظ النصوص مباشرة، ولكن بتعلم معاني هذه الألفاظ أولًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بتلقي الألفاظ بعد ذلك -كما يقول ابن القيم- ليضبطوا بها المعاني حتى لا تشذ عنهم.
أي إن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يعرفون حقائق هذه المعاني قبل نزول الكثير من النصوص، بدليل ما نقلناه عن عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة -رضي الله عنهم-: تعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن.
وهذا المنهج الصحيح لتعلم معاني الألفاظ الشرعية، هو المنهج الذي تلقاه التابعون عن الصحابة ونقلوه بدورهم لتابعيهم وهكذا. وهو نفس المنهج الذي التزمنا به في الفصول السابقة -لأنه منهج أهل السنة والجماعة- وتعرّفنا من خلاله على معنى الإيمان وحقائقه عندهم.
وفي هذا الفصل -وما بعده -نلتزم- إن شاء الله- بنفس منهج أهل السنة والجماعة، وهو أن نتلقى مفهوم السلف -رضي الله عنهم- لهذه المعاني أولًا، ثم نضبط بها ألفاظ النصوص بعد ذلك، وليس العكس، أي ليس استخراج المعاني من النظر إلى المفاهيم اللغوية للألفاظ مباشرة، كما ضلّ في ذلك مَنْ ضل مِنْ أهل الأهواء والبدع.
فإذا علمنا أن الإيمان عند السلف له أصل لا تتحقق النجاة للعبد إلا به، ولا يدخل في دين الله إلا من خلاله، وأن هذا الأصل هو:
-التصديق بخبر الرسول وبالحق الذي جاء به عن ربه جملة وعلى الغيب.
-والالتزام بشريعته والانقياد له والدخول في طاعته جملة وعلى الغيب.
ثم انعكاس ذلك على ظاهر المرء، بأن يتخلى عن الشرك ويعلن تبريه منه والتزامه بشرائع الإسلام (النطق بالشهادتين) . وأن هذا الأصل إذا تحقق ولم ينقضه صاحبه بقول أو عمل أو اعتقاد، فقد نجا من الكفر ومن الخلود في النار ودخل الجنة إن عاجلًا أو آجلًا.