الفصل الثامن
حقيقة النفاق
النفاق مأخوذ أصلًا من كلام العرب وإن قيل إنه لم تكن العرب تكلمت به، فإن نفق يشبه خرج، ومنه نفقت الدابة إذا ماتت، ومنه نافقاء اليربوع، والنفق في الأرض، قال تعالى: (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ) (الأنعام: 35) . ومن الناس من يسمي من خرج عن طاعة الملك منافقًا عليه [1] .
ولكن النفاق في الاصطلاح الشرعي مقيد بأنه نفاق من الإيمان، فالمنافق هو الذي خرج من الإيمان باطنًا بعد دخوله فيه ظاهرًا [2] . فالنفاق هو مخالفة الظاهر للباطن، فإن كان في أصل الإيمان كان نفاقًا أكبر مخرجًا عن الدين، وإن كان في فروعه كان حاله بحسب ذلك [3] .
وأكثر النفاق الذي يقع هو النفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء في حياته -وهو أكثر ما ذكره الله في القرآن من نفاق المنافقين [4] - أم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
وقد كان الناس على عهده صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق ظاهره الإسلام وهو في الباطن كافر [5] .
وأما قبل الهجرة فلم يكن الناس إلا مؤمن أو كافر، لم يكن هناك منافق، فإن المسلمين كانوا مستضعفين، فكان من آمن آمن باطنًا وظاهرًا، ومن لم يؤمن فهو كافر.
فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وصار للمؤمنين بها عز وأنصار، ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعًا واختيارًا، كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم من أظهر الإسلام موافقة رهبة أو رغبة، وهو في الباطن كافر [6] .
(1) الإيمان، ص284، 285.
(2) السابق.
(3) الرياض الناضرة، لعلامة نجد عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص240.
(4) الإيمان، ص285، والإيمان الأوسط، ص180.
(5) الإيمان الأوسط، ص3 - 14.
(6) السابق.