الفصل التاسع
أثر المعصية في الإيمان
علمنا أن الإيمان عند السلف والأئمة عبارة عن أصل لا يتحقق الإيمان إلا به، وفروع أو شعب لهذا الأصل من استكملها فقد استكمل الإيمان، ومن فرّط فيها فقد نقص إيمانه بقدر هذا التفريط، سواء أكان ذلك بترك طاعات أو بارتكاب محرمات ظاهرة أو باطنة.
وعلمنا كذلك أن الكفر نفسه أصل وفروع، فأصل الكفر الذي يخرج المرء من الملة، هو ما نقض أصل الإيمان ويعود عليه بالنقض والإبطال، وأما فروعه أو شعبه فهي كل ما لا ينقض أصل الإيمان، بل يصيبه فقط في فروعه أو شعبه، وهو ما أطلق عليه السلف والأئمة تعبير الكفر الأصغر أو العملي أو كفر دون كفر.
وكل لفظ من ألفاظ المدح الشرعية، قد تصرف إلى الإيمان المطلق بأصله وشعبه أو فروعه، مثل ألفاظ البر والتقوى والعبادة والطاعة والدين وما إلى ذلك، وأما ألفاظ الذم الشرعية كالكفر والشرك والظلم والفسوق والعصيان والفساد والنفاق وما إليها، فقد تطلق في نصوص الشرع، فيقصد بها الكفر الأكبر الذي يخرج بصاحبه عن ملة الإسلام، لأنه ينقض ويضاد أصل الإيمان فيسقطه، وقد يقصد بها أيضًا في نصوص الشرع ما هو من فروع الكفر وشعبه دون أصله، وهو كل ما يصيب فروع الإيمان وشعبه دون أصله فلا يخرج بصاحبه عن ملة الإسلام، ومرجعنا في ذلك كله هو فقه الأئمة وسلف الأمة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
* المعاصي بعضها كفر وبعضها ليس بكفر:
ولما كان حديثنا هنا عن المعاصي التي تصيب الإيمان في فروعه وشعبه وليس في أصله، نلاحظ ابتداء أن الشارع في بعض النصوص قد فرّق بين ما هو من المعاصي مخرج من الملة وبين ما هو غير مخرج من الملة، فأخبر أن الأولى لا تغفر إلا بالتوبة وتجديد الإيمان، وأن الأخيرة في مشيئة الله، إن شاء عذب، وإن شاء عفا بكرمه وعفوه ورحمته.
قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) (النساء: 48) .
وقال تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات: 7) .